تفسير الميزان ج۳
95بالبصيرة القلبية دون البصر الظاهري، و الأمر هين، فإن الله سبحانه في كلامه يعد من لا يعتبر بالعبر و المثلات أعمى، و يذكر أن العين يجب أن تبصر و تميز الحق من الباطل و في ذلك دعوى أن الحق الذي يدعو إليه ظاهر متجسد محسوس يجب أن يبصره البصر الظاهر، و أن البصيرة و البصر في مورد المعارف الإلهية واحد (بنوع من الاستعارة) لنهاية ظهورها و وضوحها، و الآيات في ذلك كثيرة جدا، و من أحسنها دلالة على ما ذكرنا قوله تعالى: {فإِنّها لا تعْمى الْأبْصارُ و لكِنْ تعْمى الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصُّدُورِ} الحج - ٤٦، أي إن الأبصار إنما هي في القلوب دون الرءوس، و قوله تعالى: {و لهُمْ أعْيُنٌ لا يُبْصِرُون بِها} الأعراف - ١٧٩، و الآية في مقام التعجيب، و قوله تعالى: {و جعل على بصرِهِ غِشاوةً} الجاثية - ٢٣، إلى غير ذلك من الآيات، فالمراد بالأبصار فيما نحن فيه هو العيون الظاهرية بدعوى أنها هي التي تعتبر و تفهم فهو من الاستعارة بالكناية، و النكتة فيه ظهور المعنى كأنه بالغ حد الحس، و يزيد في لطفه أن المورد يتضمن التصرف في رؤية العين الظاهرة.
و ظاهر قوله: {إِنّ فِي ذلِك} إلخ أنه تتمة لكلامه تعالى الذي يخاطب به النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)و ليس تتمة لقول النبي المدلول عليه بقوله: {قُلْ لِلّذِين كفرُوا} إلخ، و الدليل عليه الكاف في قوله: {ذلِك}، فإنه خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و في هذا العدول إلى الخطاب الخاص بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم)إيماء إلى قلة فهمهم و عمى قلوبهم أن يعتبروا بأمثال هذه العبر.
قوله تعالى: {زُيِّن لِلنّاسِ حُبُّ الشّهواتِ مِن النِّساءِ} إلخ، الآية و ما يتلوها بمنزلة البيان و شرح حقيقة الحال لما تقدم من قوله تعالى آنفا: {إِنّ الّذِين كفرُوا لنْ تُغْنِي عنْهُمْ أمْوالُهُمْ و لا أوْلادُهُمْ مِن اللّهِ شيْئاً} إلخ إذ يظهر منه أنهم يعتقدون الاستغناء بالأموال و الأولاد من الله سبحانه فالآية تبين أن سبب ذلك أنهم انكبوا على حب هذه المشتهيات و انقطعوا إليها عن ما يهمهم من أمر الآخرة، و قد اشتبه عليهم الأمر فإن ذلك متاع الحيوة الدنيا، ليس لها إلا أنها مقدمة لنيل ما عند الله من حسن المآب مع أنهم غير مبدعين في هذا الحب و الاشتهاء و لا مبتكرون بل مسخرون بالتسخير الإلهي بتغريز أصل هذا الحب فيهم ليتم لهم الحيوة الأرضية فلو لا ذلك لم يستقم أمر النوع الإنساني في حيوته و بقائه بحسب ما قدره الله سبحانه من أمرهم حيث قال: {و لكُمْ فِي الْأرْضِ مُسْتقرٌّ و متاعٌ إِلى حِينٍ} البقرة - ٣٦.

