تفسير الميزان ج۳
94الشيطان أو في سبيل الطاغوت و نحو ذلك لأن الكلام غير مسوق للمقايسة بين السبيلين بل لبيان أن لا غنى من الله تعالى و أن الغلبة له فالمقابلة بالحقيقة بين الإيمان بالله و الجهاد في سبيله و بين الكفر به تعالى.
و الظاهر من السياق أن الضميرين في قوله: {يروْنهُمْ مِثْليْهِمْ} راجعان إلى قوله: {فِئةٌ تُقاتِلُ}، أي الفئة الكافرة يرون المؤمنين مثلي المؤمنين فهم يرونهم ستمائة و ستة و عشرين و لقد كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، و أما احتمال اختلاف الضميرين مرجعا بأن يكون المعنى: يرون المؤمنين مثلي عدد الكافرين فبعيد عن اللفظ، و هو ظاهر.
و ربما احتمل أن يكون الضميران راجعين إلى الفئة الكافرة، و يكون المعنى: يرى الكافرون أنفسهم مضاعفة مثلي عددهم (يرون الألف ألفين) و لازمه تقليلهم المؤمنين في النسبة فكانوا يرونهم سدس أنفسهم عددا مع كونهم ثلثا لهم في النسبة و ذلك ليطابق ما ذكره في هذه الآية قوله تعالى في قصة بدر: {و إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتقيْتُمْ فِي أعْيُنِكُمْ قلِيلاً و يُقلِّلُكُمْ فِي أعْيُنِهِمْ} الأنفال - ٤٤، فإن الآية تنافي الآية.
و أجيب بأن ذلك يؤدي إلى اللبس غير اللائق بأبلغ الكلام بل كان من اللازم على هذا أن يقال: يرون أنفسهم مثليهم أو ما يؤدي ذلك. و أما التنافي بين الآيتين فإنما يتحقق مع اتحاد الموقف و المقام، و لا دليل على ذلك لإمكان أن يقلل الله سبحانه كلا من الطائفتين في عين صاحبتها في بدء التلاقي لتشد بذلك قلوبهم و تزيد جرأتهم حتى إذا نشبت المقارعة و حمي الوطيس رأى الكافرون المؤمنين مثلي عددهم فانهزموا بذلك و ولوا الأدبار، و هذا نظير قوله تعالى في وصف يوم القيامة: {لا يُسْئلُ عنْ ذنْبِهِ إِنْسٌ و لا جانٌّ} الرحمن - ٣٩، مع قوله: {و قِفُوهُمْ إِنّهُمْ مسْؤُلُون} الصافات - ٢٤، و ليس إلا أن الموقف غير الموقف.
و في شأن الضميرين أعني في قوله: {يروْنهُمْ مِثْليْهِمْ}، احتمالات أخر ذكروها غير أن الجميع تشترك في كونها خلاف ظاهر اللفظ، و لذلك تركنا ذكرها، و الله العالم.
قوله تعالى: {و اللّهُ يُؤيِّدُ بِنصْرِهِ منْ يشاءُ إِنّ فِي ذلِك لعِبْرةً لِأُولِي الْأبْصارِ}، التأييد من الأيد و هو القوة، و المراد بالأبصار قيل: هو العيون الظاهرية لكون الآية مشتملة على التصرف في رؤية العيون، و قيل: هو البصائر لأن العبرة إنما تكون

