تفسير الميزان ج۳
92تصحيح للخبر و إثبات لصدقه بإرجاعه إلى الدراية و نحو من الشهادة.
فالمعنى - و الله أعلم - أن آل فرعون كانوا دائبين على دأب هؤلاء الذين كفروا في الكفر و تكذيب الآيات، و لا ريب في هذا الخبر فإنا كنا حاضرين شاهدين و قد كذبوا بآياتنا نحن فأخذناهم.
و أما قوله: {فأخذهُمُ اللّهُ}، فهو رجوع بعد استيفاء المقصود إلى الأصل في الكلام و هو أسلوب الغيبة، و فيه مع ذلك إرجاع الحكم إلى مقام الألوهية القائمة بجميع شئون العالم و المهيمنة على كل ما دق و جل، و لذلك كرر لفظ الجلالة ثانيا في قوله {و اللّهُ شدِيدُ الْعِقابِ}، و لم يقل و هو شديد العقاب للدلالة على أن كفرهم و تكذيبهم هذا منازعة و محاربة مع من له جلال الألوهية و يهون عليه أخذ المذنب بذنبه، و هو شديد العقاب لأنه الله جل اسمه.
قوله تعالى: {قُلْ لِلّذِين كفرُوا ستُغْلبُون و تُحْشرُون} إلى آخر الآية، الحشر هو إخراج الجماعة عن مقرهم بالإزعاج، و لا يستعمل في الواحد، قال تعالى: {و حشرْناهُمْ فلمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أحداً} الكهف - ٤٧، و المهاد هو الفراش، و ظاهر السياق أن المراد بالذين كفروا هم المشركون كما أنه ظاهر الآية السابقة: {إِنّ الّذِين كفرُوا لنْ تُغْنِي عنْهُمْ} إلخ دون اليهود، و هذا هو الأنسب لاتصال الآيتين حيث تذكر هذه الآية الغلبة عليهم و حشرهم إلى جهنم و قد أشارت الآية السابقة إلى تقويهم و تعززهم بالأموال و الأولاد.
قوله تعالى: {قدْ كان لكُمْ آيةٌ فِي فِئتيْنِ اِلْتقتا}، ظاهر السياق أن يكون الخطاب للذين كفروا، و الكلام من تتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) :{ستُغْلبُون و تُحْشرُون} إلخ و من الممكن أن يكون خطابا للمؤمنين بدعوتهم إلى الاعتبار و التفكر بما من الله عليهم يوم بدر حيث أيدهم بنصره تأييدا عجيبا بالتصرف في أبصار العيون، و على هذا يكون الكلام مشتملا على نوع من الالتفات بتوسعة خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) في قوله: {قُلْ لِلّذِين} بتوجيهه إليه و إلى من معه من المؤمنين، لكن السياق، كما عرفت، للأول أنسب.
و (الآية) بما تشتمل عليه من قصة التقاء الفئتين و نصرة تعالى للفئة المقاتلة في سبيل الله - و إن لم تتعرض بتشخيص القصة و تسمية الوقعة غير أنها قابلة الانطباق على وقعة بدر، و السورة نازلة بعدها بل و بعد أحد.

