تفسير الميزان ج۳
90الحيوانية، و هي التي يزينوا له الخيال من زخارف الدنيا من زينة الملبس و المسكن و المنكح و غير ذلك، و عندئذ يتبدل طلب الغذاء إلى طلب المال الذي يظنه مفتاحا لحل جميع مشكلات الحيوة لأن العادة الغالبة تجري على ذلك فيظن أن سعادة حيوته في المال و الولد بعد ما كان يظن أن ضامن سعادته هو الغذاء و الولد، ثم انكباب نفسه على مشتهياته، و قصر همه على الأسباب يوجب أن يقف قلبه عند الأسباب، و يعطي لها الاستقلال، و حينئذ ينسى ربه، و يتشبث بذيل المال و الولد، و في هذا الجهل هلاكه فإنه يستر به آيات ربه و يكفر بها، و قد التبس عليه الأمر فإن ربه هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا يستغني عنه شيء بحال و لا يغني عنه شيء بحال.
و بهذا البيان يظهر وجه تقديم الأموال على الأولاد في الآية فإن الركون إلى المال - و قد عرفت أن الأصل فيه الغذاء - أقدم عند الإنسان من الركون إلى الأولاد و أعرف منه و إن كان حب الولد ربما غلب عند الإنسان على حب المال.
و في الآية إيجاز شبيه دفع الدخل، و التقدير: إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا و زعموا أن أموالهم و أولادهم تغنيهم من الله، و قد أخطئوا فلا غنى من الله سبحانه في وقت و لا في شيء، على ما تدل عليه الآية التالية.
قوله تعالى: {و أُولئِك هُمْ وقُودُ النّارِ}، الوقود بفتح الواو ما توقد به النار و تشتعل، و الآية جارية مجرى قوله تعالى: {فاتّقُوا النّار الّتِي وقُودُها النّاسُ و الْحِجارةُ} البقرة - ٢٤، و قوله تعالى: {إِنّكُمْ و ما تعْبُدُون مِنْ دُونِ اللّهِ حصبُ جهنّم} الأنبياء - ٩٨، و قد مر بعض الكلام في معنى ذلك في سورة البقرة.
و الإتيان بالجملة الاسمية، و الابتداء باسم الإشارة، و كونه دالا على البعد و توسيط ضمير الفصل، و إضافة الوقود إلى النار دون أن يقال وقود، كل ذلك يؤكد ظهور الكلام في الحصر، و لازمه كون المكذبين من الكفار هم الأصل في عذاب النار و إيقاد جهنم، و أن غيرهم إنما يحترقون بنارهم، و يتأيد بذلك ما سيأتي بيانه في قوله تعالى: {لِيمِيز اللّهُ الْخبِيث مِن الطّيِّبِ و يجْعل الْخبِيث بعْضهُ على بعْضٍ} (الآية) الأنفال - ٣٧.
قوله تعالى: {كدأْبِ آلِ فِرْعوْن و الّذِين مِنْ قبْلِهِمْ} إلى آخر الآية: الدأب على ما ذكروه هو السير المستمر قال تعالى: {و سخّر لكُمُ الشّمْس و الْقمر دائِبيْنِ} إبراهيم - ٣٣.

