تفسير الميزان ج۳
9الناطقة بالتحريف و السقط فيهما قال تعالى: {و لقدْ أخذ اللّهُ مِيثاق بنِي إِسْرائِيل} إلى أن قال: {و جعلْنا قُلُوبهُمْ قاسِيةً يُحرِّفُون الْكلِم عنْ مواضِعِهِ و نسُوا حظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ} إلى أن قال: {و مِن الّذِين قالُوا إِنّا نصارى أخذْنا مِيثاقهُمْ فنسُوا حظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ} (الآية) المائدة - ١٤.
قوله تعالى: {و أنْزل التّوْراة و الْإِنْجِيل مِنْ قبْلُ هُدىً لِلنّاسِ}، التوراة كلمة عبرانية بمعنى الشريعة، و الإنجيل لفظ يوناني، و قيل فارسي الأصل معناه البشارة، و سيجيء استيفاء البحث عن الكتابين في قوله تعالى: {إِنّا أنْزلْنا التّوْراة فِيها هُدىً و نُورٌ} الآياتالمائدة - ٤٤.
و مما أصر عليه القرآن تسمية كتاب عيسى (عليه السلام) بالإنجيل بصيغة الإفراد و القول بأنه نازل من عند الله سبحانه مع أن الأناجيل كثيرة، و المعروفة منها أعني الأناجيل الأربعة كانت موجودة قبل نزول القرآن و في عهده، و هي التي ينسب تأليفها إلى لوقا و مرقس و متى و يوحنا، و لا يخلو ما ذكرناه من إفراد الاسم و التوصيف بالنزول عن دلالة على التحريف و الإسقاط، و كيف كان لا يخلو ذكر التوراة و الإنجيل في هذه الآية و في أول السورة من التعريض لليهود و النصارى على ما سيذكره من أمرهم و قصص تولد عيسى و نبوته و رفعه.
قوله تعالى: {و أنْزل الْفُرْقان}، الفرقان ما يفرق به بين الحق و الباطل على ما في الصحاح، و اللفظ بمادته يدل على الأعم من ذلك، و هو كل ما يفرق به بين شيء و شيء. قال تعالى: {يوْم الْفُرْقانِ يوْم اِلْتقى الْجمْعانِ} الأنفال - ٤١، و قال تعالى: {يجْعلْ لكُمْ فُرْقاناً} الأنفال - ٢٩. و إذا كان الفرق المطلوب عند الله فيما يرجع إلى معنى الهداية هو الفرق بين الحق و الباطل في العقائد و المعارف و بين وظيفة العبد و ما ليس بوظيفة له بالنسبة إلى الأعمال الصادرة عنه في الحياة الدنيا انطبق معناه على مطلق المعارف الأصلية و الفرعية التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه بالوحي، أعم من الكتاب و غيره. قال تعالى: {و لقدْ آتيْنا مُوسى و هارُون الْفُرْقان} الأنبياء - ٤٨، و قال تعالى: {و إِذْ آتيْنا مُوسى الْكِتاب و الْفُرْقان} البقرة - ٥٣، و قال تعالى: {تبارك الّذِي نزّل الْفُرْقان على عبْدِهِ لِيكُون لِلْعالمِين نذِيراً} الفرقان - ١.
و قد عبر تعالى عن هذا المعنى بالميزان في قوله: {لقدْ أرْسلْنا رُسُلنا بِالْبيِّناتِ

