تفسير الميزان ج۳
85و من هنا يظهر أن شأن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في هذا المقام هو التعليم فحسب و التعليم إنما هو هداية المعلم الخبير ذهن المتعلم و إرشاده إلى ما يصعب عليه العلم به و الحصول عليه لا ما يمتنع فهمه من غير تعليم، فإنما التعليم تسهيل للطريق و تقريب للمقصد، لا إيجاد للطريق و خلق للمقصد، و المعلم في تعليمه إنما يروم ترتيب المطالب العلمية و نضدها على نحو يستسهله ذهن المتعلم و يأنس به فلا يقع في جهد الترتيب و كد التنظيم فيتلف العمر و موهبة القوة أو يشرف على الغلط في المعرفة.
و هذا هو الذي يدل عليه أمثال قوله تعالى: {و أنْزلْنا إِليْك الذِّكْر لِتُبيِّن لِلنّاسِ ما نُزِّل إِليْهِمْ} (الآية) النحل - ٤٤، و قوله تعالى: {و يُعلِّمُهُمُ الْكِتاب و الْحِكْمة} الجمعة - ٢، فالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) إنما يعلم الناس و يبين لهم ما يدل عليه القرآن بنفسه، و يبينه الله سبحانه بكلامه، و يمكن للناس الحصول عليه بالأخرة لأنه (صلى الله عليه وآله و سلم) يبين لهم معاني لا طريق إلى فهمها من كلام الله تعالى فإن ذلك لا ينطبق البتة على مثل قوله تعالى: {كِتابٌ فُصِّلتْ آياتُهُ قُرْآناً عربِيًّا لِقوْمٍ يعْلمُون} حم السجدة - ٣، و قوله تعالى: {و هذا لِسانٌ عربِيٌّ مُبِينٌ} النحل - ١٠٣.
على أن الأخبار المتواترة عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) المتضمنة لوصيته بالتمسك بالقرآن و الأخذ به و عرض الروايات المنقولة عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) على كتاب الله لا يستقيم معناها إلا مع كون جميع ما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مما يمكن استفادته من الكتاب، و لو توقف ذلك على بيان النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان من الدور الباطل و هو ظاهر.
على أن ما ورد به النقل من كلام الصحابة مع قطع النظر عن طرقه لا يخلو عن الاختلاف فيما بين الصحابة أنفسهم بل عن الاختلاف فيما نقل عن الواحد منهم على ما لا يخفى على المتتبع المتأمل في أخبارهم، و القول بأن الواجب حينئذ أن يختاروا أحد الأقوال المختلفة المنقولة عنهم في الآية، و يجتنب عن خرق إجماعهم، و الخروج عن جماعتهم مردود بأنهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق، و لم يستلزموا هذا المنهج و لم يبالوا بالخلاف فيما بينهم فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا به و لم يختصوا بحجية قولهم على غيرهم و لا بتحريم الخلاف على غيرهم دونهم.
على أن هذا الطريق و هو الاقتصار على ما نقل من مفسري صدر الإسلام من

