تفسير الميزان ج۳
70و أما قوله (عليه السلام): نحن الراسخون في العلم، و قد تقدم- في رواية للعياشي عن الصادق (عليه السلام) قوله: و الراسخون في العلم هم آل محمد، و هذه الجملة مروية في روايات أخر أيضا فجميع ذلك من باب الجري و الانطباق كما يشهد بذلك ما تقدم و يأتي من الروايات.
و في الكافي، أيضا عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى أن قال: يا هشام إن الله حكى عن قوم صالحين: أنهم قالوا: {ربّنا لا تُزِغْ قُلُوبنا بعْد إِذْ هديْتنا و هبْ لنا مِنْ لدُنْك رحْمةً إِنّك أنْت الْوهّابُ}، علموا أن القلوب تزيغ و تعود إلى عماها و رداها، إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، و من لم يعقل عن الله - لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها و يجد حقيقتها في قلبه، و لا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، و سره لعلانيته موافقا، لأن الله عز اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه و ناطق عنه.
أقول: قوله (عليه السلام): لم يخف الله من لم يعقل عن الله، في معنى قوله تعالى: {إِنّما يخْشى اللّه مِنْ عِبادِهِ الْعُلماءُ}، و قوله (عليه السلام): «و من لم يعقل عن الله إلخ» أحسن بيان لمعنى الرسوخ في العلم لأن الأمر ما لم يعقل حق التعقل لم ينسد طرق الاحتمالات فيه، و لم يزل القلب مضطربا في الإذعان به و إذا تم التعقل و عقد القلب عليه لم يخالفه باتباع ما يخالفه من الهوى فكان ما في قلبه هو الظاهر في جوارحه و كان ما يقوله هو الذي يفعله، و قوله: و لا يكون أحد كذلك إلخ بيان لعلامة الرسوخ في العلم.
و في الدر المنثور، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و الطبراني عن أنس و أبي أمامة و وائلة بن أسقف و أبي الدرداء: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) سئل عن الراسخين في العلم فقال: من برت يمينه و صدق لسانه و استقام قلبه، و من عف بطنه و فرجه فذلك من الراسخين في العلم.
أقول: و يمكن توجيه الرواية بما يرجع إلى معنى الحديث السابق.
و في الكافي، عن الباقر (عليه السلام): أن الراسخين في العلم من لا يختلف في علمه.
أقول: و هو منطبق على الآية، فإن الراسخين في العلم قوبل به فيها قوله: {الّذِين فِي قُلُوبِهِمْ زيْغٌ}، فيكون رسوخ العلم عدم اختلاف العالم و ارتيابه.

