تفسير الميزان ج۳
65درجات العمل قوله: {و اللّهُ بصِيرٌ بِما يعْملُون}، و نظير الآية قوله تعالى: {و لِكُلٍّ درجاتٌ مِمّا عمِلُوا و لِيُوفِّيهُمْ أعْمالهُمْ و هُمْ لا يُظْلمُون} الأحقاف - ١٩، و قوله تعالى: {و لِكُلٍّ درجاتٌ مِمّا عمِلُوا و ما ربُّك بِغافِلٍ عمّا يعْملُون} الأنعام - ١٣٢، و الآيات في هذا المعنى كثيرة، و فيها ما يدل على أن درجات الجنة و دركات النار بحسب مراتب الأعمال و درجاتها.
و من المعلوم أن العمل من أي نوع كان هو من رشحات العلم يترشح من اعتقاد قلبي يناسبه، و قد استدل تعالى على كفر اليهود و على فساد ضمير المشركين و على نفاق المنافقين من المسلمين و على إيمان عدة من الأنبياء و المؤمنين بأعمالهم و أفعالهم في آيات كثيرة جدا يطول ذكرها، فالعمل كيف كان يلازم ما يناسبه من العلم و يدل عليه.
و بالعكس يستلزم كل نوع من العمل ما يناسبه من العلم و يحصله و يركزه في النفس كما قال تعالى: {و الّذِين جاهدُوا فِينا لنهْدِينّهُمْ سُبُلنا و إِنّ اللّه لمع الْمُحْسِنِين} العنكبوت - ٦٩، و قال تعالى: {و اُعْبُدْ ربّك حتّى يأْتِيك الْيقِينُ} الحجر - ٩٩، و قال أيضا: {ثُمّ كان عاقِبة الّذِين أساؤُا السُّواى أنْ كذّبُوا بِآياتِ اللّهِ و كانُوا بِها يسْتهْزِؤُن} الروم - ١٠، و قال: {فأعْقبهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يوْمِ يلْقوْنهُ بِما أخْلفُوا اللّه ما وعدُوهُ و بِما كانُوا يكْذِبُون} البراءة - ٧٧، و الآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة تدل الجميع على أن العمل صالحا كان أو طالحا يولد من أقسام المعارف و الجهالات (و هي العلوم المخالفة للحق ما يناسبه.
و قال تعالى - و هو كالكلمة الجامعة في العمل الصالح و العلم النافع -: {إِليْهِ يصْعدُ الْكلِمُ الطّيِّبُ و الْعملُ الصّالِحُ يرْفعُهُ} الفاطر - ١٠، فبين أن شأن الكلم الطيب و هو الاعتقاد الحق أن يصعد إلى الله تعالى و يقرب صاحبه منه، و شأن العمل الصالح أن يرفع هذا العلم و الاعتقاد. و من المعلوم أن ارتفاع العلم في صعوده إنما هو بخلوصه من الشك و الريب و كمال توجه النفس إليه و عدم تقسيم القلب فيه و في غيره (و هو مطلق الشرك) فكلما كمل خلوصه من الشك و الخطوات اشتد صعوده و ارتفاعه.
و لفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك فإنها عبرت في الكلم الطيب بالصعود ـ

