تفسير الميزان ج۳
59اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن حيوته الاجتماعية، و لا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم و العرفان، ثم بتحميل تكاليف عبادية يوجب العمل بها و المزاولة عليها توجه نفسه، و خلوص قلبه إلى المبدإ و المعاد، و إشرافه على عالم المعنى و الطهارة، و التجنب عن قذارة الماديات و ثقلها.
و أنت إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى: {إِليْهِ يصْعدُ الْكلِمُ الطّيِّبُ و الْعملُ الصّالِحُ يرْفعُهُ} الفاطر - ١٠، و ضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى: {و لكِنْ يُرِيدُ لِيُطهِّركُمْ} (الآية) و إلى قوله تعالى: {عليْكُمْ أنْفُسكُمْ يضُرُّكُمْ منْ ضلّ إِذا اِهْتديْتُمْ} المائدة - ١٠٥، و قوله تعالى: {يرْفعِ اللّهُ الّذِين آمنُوا مِنْكُمْ و الّذِين أُوتُوا الْعِلْم درجاتٍ} المجادلة - ١١، و ما يشابهه من الآيات اتضح لك الغرض الإلهي في تشريع الدين و هداية الإنسان إليه، و السبيل الذي سلكه لذلك فافهم.
و يتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة: هي أن القوانين الاجتماعية في الإسلام مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لأجلها، و التكاليف العبادية مقدمة للمعرفة بالله و بآياته، فأدنى الإخلال أو التحريف أو التغيير في الأحكام الاجتماعية من الإسلام يوجب فساد العبودية و فساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر المعرفة.
و هذه النتيجة - على أنها واضحة التفرع على البيان - تؤيدها التجربة أيضا: فإنك إذا تأملت جريان الأمر في طروق الفساد في شئون الدين الإسلامي بين هذه الأمة و أمعنت النظر فيه: من أين شرع و في أين ختم وجدت أن الفتنة ابتدأت من الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف. و قد ذكرناك فيما مر: أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات و ابتغاء تأويلها، و لم يزل الأمر على ذلك حتى اليوم.
و منها: أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس و ركوز العلم بينهم ما أستطيع، فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة، و كيف لا؟ و لا يوجد بين كتب الوحي كتاب، و لا بين الأديان دين يعظمان من أمر العلم و يحرضان عليه بمثل ما جاء به القرآن و الإسلام.
و هذا المعنى هو الموجب لأن يبين الكتاب للإنسان حقائق المعارف أولا، و ارتباط ما شرعه له من الأحكام العملية بتلك الحقائق ثانيا، و بعبارة أخرى أن يفهمه:

