تفسير الميزان ج۳
58التأويل الموجب لتفسير بعضه بعضا بالمعنى الذي أوضحناه للتأويل فيما مر.
و يتضح ذلك بعض الاتضاح بإجادة التدبر في جهات البيان القرآني و التعليم الإلهي و الأمور التي بنيت عليها معارفه و الغرض الأقصى من ذلك و هي أمور:
منها: أن الله سبحانه ذكر أن لكتابه تأويلا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنية و الأحكام و القوانين و سائر ما يتضمنه التعليم الإلهي، و أن هذا التأويل الذي تستقبله و تتوجه إليه جميع هذه البيانات أمر يقصر عن نيله الأفهام و تسقط دون الارتقاء إليه العقول إلا نفوس طهرهم الله و أزال عنهم الرجس، فإن لهم خاصة أن يمسوه. و هذا غاية ما يريده تعالى من الإنسان المجيب لدعوته في ناحية العلم أن يهتدي إلى علم كتابه الذي هو تبيان كل شيء، و مفتاحه التطهير الإلهي، و قد قال تعالى: {ما يُرِيدُ اللّهُ لِيجْعل عليْكُمْ مِنْ حرجٍ و لكِنْ يُرِيدُ لِيُطهِّركُمْ} المائدة - ٧، فجعل الغاية لتشريع الدين هي التطهير الإلهي.
و هذا الكمال الإنساني كسائر الكمالات المندوب إليها لا يظفر بكمالها إلا أفراد خاصة، و إن كانت الدعوة متعلقه بالجميع متوجهة إلى الكل، فتربية الناس بالتربية الدينية إنما تثمر كمال التطهير في أفراد خاصة و بعض التطهير في آخرين، و يختلف ذلك باختلاف درجات الناس، كما أن الإسلام يدعو إلى حق التقوى في العمل. قال تعالى: {اِتّقُوا اللّه حقّ تُقاتِهِ} آل عمران - ١٠٢، و لكن لا يحصل كماله إلا في أفراد و فيمن دونهم دون ذلك على طريق الأمثل فالأمثل، كل ذلك لاختلاف الناس في طبائعهم و أفهامهم، و هكذا جميع الكمالات الاجتماعية من حيث التربية و الدعوة، يدعو داعي الاجتماع إلى الدرجة القصوى من كل كمال كالعلم و الصنعة و الثروة و الراحة و غيرها لكن لا ينالها إلا البعض، و من دونه ما دونها على اختلاف مراتب الاستعدادات.
و بالحقيقة أمثال هذه الغايات ينالها المجتمع من غير تخلف دون كل فرد منه.
و منها: أن القرآن قطع بأن الطريق الوحيد إلى إيصال الإنسان إلى هذه الغاية الشريفة تعريف نفس الإنسان لنفسه بتربيته في ناحيتي العلم و العمل: أما في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدإ و المعاد و ما بينهما من حقائق العالم حتى يعرف نفسه بما ترتبطه به من الواقعيات معرفة حقيقية و أما في ناحية العمل فبتحميل قوانين

