تفسير الميزان ج۳
55بالورود عليه و الصدور منه و ليس هذا المس إلا نيل الفهم و العلم، و من المعلوم أيضا: أن الكتاب المكنون هذا هو أم الكتاب المدلول عليه بقوله: {يمْحُوا اللّهُ ما يشاءُ و يُثْبِتُ و عِنْدهُ أُمُّ الْكِتابِ}، و هو المذكور في قوله: {و إِنّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لديْنا لعلِيٌّ حكِيمٌ}.
و هؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم، و ليس ينزلها إلا الله سبحانه، فإنه تعالى لم يذكرها إلا كذلك أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى: {إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِب عنْكُمُ الرِّجْس أهْل الْبيْتِ و يُطهِّركُمْ تطْهِيراً} الأحزاب - ٣٣، و قوله تعالى: {و لكِنْ يُرِيدُ لِيُطهِّركُمْ} المائدة - ٦، و ما في القرآن شيء من الطهارة المعنوية إلا منسوبة إلى الله أو بإذنه، و ليست الطهارة إلا زوال الرجس من القلب، و ليس القلب من الإنسان إلا ما يدرك به و يريد به، فطهارة القلب طهارة نفس الإنسان في اعتقادها و إرادتها و زوال الرجس عن هاتين الجهتين، و يرجع إلى ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة من غير ميلان إلى الشك و نوسان بين الحق و الباطل، و ثباته على لوازم ما علمه من الحق من غير تمايل إلى اتباع الهوى و نقض ميثاق العلم و هذا هو الرسوخ في العلم فإن الله سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلا بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة، فقد ظهر أن هؤلاء المطهرين راسخون في العلم، هذا.
و لكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان، فإن المقدار الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل، و لازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين في علومهم، لما أن تطهير قلوبهم منسوب إلى الله و هو تعالى سبب غير مغلوب، لا أن الراسخين في العلم يعلمونه بما أنهم راسخون في العلم أي إن الرسوخ في العلم سبب للعلم، بالتأويل فإن الآية لا تثبت ذلك، بل ربما لاح من سياقها جهلهم بالتأويل حيث قال تعالى: {يقُولُون آمنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ ربِّنا} (الآية)، و قد وصف الله تعالى رجالا من أهل الكتاب برسوخ العلم و مدحهم بذلك، و شكرهم على الإيمان و العمل الصالح في قوله: {لكِنِ الرّاسِخُون فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ و الْمُؤْمِنُون يُؤْمِنُون بِما أُنْزِل إِليْك و ما أُنْزِل مِنْ قبْلِك} (الآية) النساء - ١٦٢، و لم يثبت مع ذلك كونهم عالمين بتأويل الكتاب.
و كذلك إن الآية أعني قوله تعالى: {لا يمسُّهُ إِلاّ الْمُطهّرُون}، لم تثبت للمطهرين إلا مس الكتاب في الجملة، و أما أنهم يعلمون كل التأويل و لا يجهلون شيئا منه و لا في وقت فهي ساكتة عن ذلك، و لو ثبت لثبت بدليل منفصل. ـ

