تفسير الميزان ج۳
54لِتقْرأهُ على النّاسِ على مُكْثٍ و نزّلْناهُ تنْزِيلاً} إسراء - ١٠٦، فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق و نزل تنزيلا و أوحي نجوما.
و ليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على حال الذي هو عليه الآن عندنا كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا ثم فرق و أنزل على النبي نجوما ليقرأه على الناس على مكث كما يفرقه المعلم المقرئ منا قطعات ثم يعلمه و يقريه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه.
و ذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي و بين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقا بينا و هو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبي(صلى الله عليه وآله و سلم)و لا شيء من ذلك و لا ما يشبهه في تعلم المتعلم فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع و ينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد، و لا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى: {فاعْفُ عنْهُمْ و اِصْفحْ} المائدة - ١٣، و قوله تعالى: {قاتِلُوا الّذِين يلُونكُمْ مِن الْكُفّارِ} التوبة - ١٢٣، و قوله تعالى: {قدْ سمِع اللّهُ قوْل الّتِي تُجادِلُك فِي زوْجِها} المجادلة - ١، و قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صدقةً} التوبة - ١٠٣، و نحو ذلك فيلغى سبب النزول و زمانها ثم يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حيوة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، فالمراد بالقرآن في قوله: {و قُرْآناً فرقْناهُ} غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة.
و بالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرؤه و نعقله من القرآن أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد و المتمثل من المثال - و هو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم - و هو الذي تعتمد و تتكي عليه معارف القرآن المنزل و مضامينه، و ليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة و لا المعاني المدلول عليها بها، و هذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه و نعوته عليه. و بذلك يظهر حقيقة معنى التأويل، و يظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسه الأفهام العادية و النفوس غير المطهرة.
ثم إنه تعالى قال: {إِنّهُ لقُرْآنٌ كرِيمٌ فِي كِتابٍ مكْنُونٍ لا يمسُّهُ إِلاّ الْمُطهّرُون} الواقعة - ٧٩، و لا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد الله هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون و المحفوظ من التغير، و من التغير تصرف الأذهان

