تفسير الميزان ج۳
53من أهل منطقته، فهذه العلة المؤتلفة الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه من غير أن تكون عين فعله أو تركه لكنها محكية مضمنة محفوظة بالفعل أو الترك، و لو فرض تبدل المحيط الاجتماعي لتبدل ما أتي به من الفعل أو الترك.
فالأمر الذي له التأويل سواء كان حكما أو قصة أو حادثة يتغير بتغير التأويل لا محالة، و لذلك ترى أنه تعالى في قوله: {فأمّا الّذِين فِي قُلُوبِهِمْ زيْغٌ فيتّبِعُون ما تشابه مِنْهُ اِبْتِغاء الْفِتْنةِ و اِبْتِغاء تأْوِيلِهِ و ما يعْلمُ تأْوِيلهُ إِلاّ اللّهُ} (الآية) لما ذكر اتباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاء للفتنة ذكر أنهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له و ليس إلا لأن التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتباعهم للمتشابه اتباعا حقا غير مذموم و تبدل الأمر الذي يدل عليه المحكم و هو المراد من المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه و اتبعوه.
فقد تبين: أن تأويل القرآن حقائق خارجية تستند إليه آيات القرآن في معارفها و شرائعها و سائر ما بينته بحيث لو فرض تغير شيء من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين.
و إذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى: {و الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنّا جعلْناهُ قُرْآناً عربِيًّا لعلّكُمْ تعْقِلُون و إِنّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لديْنا لعلِيٌّ حكِيمٌ} الزخرف - ٤، فإنه يدل على أن القرآن النازل كان عند الله أمرا أعلى و أحكم من أن يناله العقول أو يعرضه التقطع و التفصل لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقررا و ألبسه لباس العربية لعلهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله و معرفته ما دام في أم الكتاب، و {أُمُّ الْكِتابِ} هذا هو المدلول عليه بقوله: {يمْحُوا اللّهُ ما يشاءُ و يُثْبِتُ و عِنْدهُ أُمُّ الْكِتابِ} الرعد - ٣٩، و بقوله: {بلْ هُو قُرْآنٌ مجِيدٌ فِي لوْحٍ محْفُوظٍ} البروج - ٢٢.
و يدل على إجمال مضمون الآية أيضا قوله تعالى: {كِتابٌ أُحْكِمتْ آياتُهُ ثُمّ فُصِّلتْ مِنْ لدُنْ حكِيمٍ خبِيرٍ} هود - ١، فالإحكام كونه عند الله بحيث لا ثلمة فيه و لا فصل، و التفصيل هو جعله فصلا فصلا و آية آية و تنزيله على النبي ص.
و يدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى: {و قُرْآناً فرقْناهُ

