تفسير الميزان ج۳
51الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقول: لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خصال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتلوا، و أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله {و ما يعْلمُ تأْوِيلهُ إِلاّ اللّهُ و الرّاسِخُون فِي الْعِلْمِ يقُولُون آمنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ ربِّنا و ما يذّكّرُ إِلاّ أُولُوا الْألْبابِ}، و أن يكثر علمهم فيضيعونه و لا يبالون به. و هذا الحديث على تقدير دلالته على النفي لا يدل إلا على نفيه عن مطلق المؤمن لا عن خصوص الراسخين في العلم و لا ينفع المستدل إلا الثاني.
و مثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم و الإيمان بالمتشابه. و عدم دلالتها على النفي مما لا يرتاب فيه.
و مثل ما في تفسير الآلوسي، عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال و حرام لا يعذر أحد بجهالته، و تفسير تفسره العلماء، و متشابه لا يعلمه إلا الله، و من ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب. و الحديث مع كونه مرفوعا و معارضا بما نقل عنه من دعوة الرسول له و ادعائه العلم به لنفسه مخالف لظاهر القرآن: أن التأويل غير المعنى المراد بالمتشابه على ما عرفت فيما مر.
و الذي ينبغي أن يقال: أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى، و أما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك.
أما الجهة الثانية فلما مر في البيان السابق: أن الآية بقرينة صدرها و ذيلها و ما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم و المتشابه، و تفرق الناس في الأخذ بها فهم بين مائل إلى اتباع المتشابه لزيغ في قلبه و ثابت على اتباع المحكم و الإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه، فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم و طريقتهم في الأخذ بالقرآن و مدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين و طريقتهم و ذمهم، و الزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول و لا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلا وجوه غير تامة تقدمت الإشارة، إليها فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: {و ما يعْلمُ تأْوِيلهُ إِلاّ اللّهُ}، من غير ناقض ينقضه من عطف و استثناء و غير ذلك. فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى و اختصاصه به.
لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدل على علم غيره تعالى به بإذنه كما في نظائره

