تفسير الميزان ج۳
376الله لا يريد الظلم علل ذلك بما يزول معه توهم صدور الظلم فذكر أن الله تعالى يملك جميع الأشياء من جميع الجهات فله أن يتصرف فيها كيف يشاء فلا يتصور في حقه التصرف فيما لا يملكه حتى يكون ظلما و تعديا.
على أن الشخص إنما ينحو الظلم إذا كان له حاجة لا يتمكن من رفعها إلا بالتعدي على ما لا يملكه، و الله الغني الذي له ما في السماوات و الأرض هذا ما قرره بعضهم لكنه لا يلائم ظاهر الآية فإن هذا الجواب يبتني بالحقيقة على غناه تعالى دون ملكه، و المذكور في الآية هو الملك دون الغنى، و كيف كان فملكه دليل أنه تعالى ليس بظالم.
و هناك دليل آخر و هو أن مرجع جميع الأمور أيا ما كانت إليه تعالى فليس لغيره تعالى من الأمر شيء حتى يسلبه الله عنه و ينتزعه من يده و يجري فيه إرادة نفسه فيكون بذلك ظالما، و هذا هو الذي يشير إليه قوله: {و إِلى اللّهِ تُرْجعُ الْأُمُورُ}.
و الوجهان كما ترى متلازمان أحدهما مبني على أن كل شيء له تعالى و الثاني مبني على أن شيئا من الأمور ليس لغيره تعالى.
قوله تعالى: {كُنْتُمْ خيْر أُمّةٍ أُخْرِجتْ لِلنّاسِ}، المراد بإخراج الأمة للناس (و الله أعلم) إظهارها لهم، و مزية هذه اللفظة (الإخراج) أن فيها إشعارا بالحدوث و التكون قال تعالى: {الّذِي أخْرج الْمرْعى} الأعلى - ٤، و الخطاب للمؤمنين فيكون قرينة على أن المراد بالناس عامة البشر و الفعل أعني قوله: {كُنْتُمْ} منسلخ عن الزمان على ما قيل و الأمة إنما تطلق على الجماعة و الفرد لكونهم ذوي هدف و مقصد يؤمرونه و يقصدونه، و ذكر الإيمان بالله بعد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من قبيل ذكر الكل بعد الجزء أو الأصل بعد الفرع.
فمعنى الآية أنكم معاشر المسلمين خير أمة أظهرها الله للناس بهدايتها لأنكم على الجماعة تؤمنون بالله و تأتون بفريضتي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و من المعلوم أن انبساط هذا التشريف على جميع الأمة لكون البعض متصفين بحقيقة الإيمان و القيام بحق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هذا محصل ما ذكروه في المقام.
و الظاهر (و الله أعلم) أن قوله: {كُنْتُمْ} غير منسلخ عن الزمان و الآية تمدح حال

