تفسير الميزان ج۳
372ثم لما اجتمعوا على الاعتصام بحبل الله، و لاحت لهم آيات السعادة، و ذاقوا شيئا من حلاوة النعم وجدوا صدق ما يذكرهم به الله من هنيء النعمة و لذيذ السعادة فكان الخطاب أوقع في نفوسهم و نفوس غيرهم.
و لذلك بني الكلام و وضعت الدعوة على أساس المشاهدة و الوجدان دون مجرد التقدير و الفرض فليس العيان كالبيان، و لا التجارب كالفرض و التقدير، و لذلك بعينه أشار في التحذير الآتي في قوله: {و لا تكُونُوا كالّذِين تفرّقُوا و اِخْتلفُوا}إلخ إلى حال من قبلهم فإن مآل حالهم بمرأى و مسمع من المؤمنين فعليهم أن يعتبروا بهم و بما آل إليه أمرهم فلا يجروا مجراهم و لا يسلكوا مسلكهم.
ثم نبههم الله على خصوصية هذا البيان فقال: {كذلِك يُبيِّنُ اللّهُ لكُمْ آياتِهِ لعلّكُمْ تهْتدُون}.
قوله تعالى: {و لْتكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يدْعُون إِلى الْخيْرِ و يأْمُرُون بِالْمعْرُوفِ و ينْهوْن عنِ الْمُنْكرِ} إلخ، التجربة القطعية تدل على أن المعلومات التي يهيئها الإنسان لنفسه في حياته - و لا يهيئ و لا يدخر لنفسه إلا ما ينتفع به - من أي طريق هيأها و بأي وجه ادخرها تزول عنه إذا لم يذكرها و لم يدم على تكرارها بالعمل، و لا نشك أن العمل في جميع شئونه يدور مدار العلم يقوى بقوته، و يضعف بضعفه و يصلح بصلاحه، و يفسد بفساده، و قد مثل الله سبحانه حالهما في قوله: {الْبلدُ الطّيِّبُ يخْرُجُ نباتُهُ بِإِذْنِ ربِّهِ و الّذِي خبُث لا يخْرُجُ إِلاّ نكِداً} (الآية) الأعراف - ٥٨.
و لا نشك أن العلم و العمل متعاكسان في التأثير فالعلم أقوى داع إلى العمل و العمل الواقع المشهود أقوى معلم يعلم الإنسان.
و هذا الذي ذكر هو الذي يدعو المجتمع الصالح الذي عندهم العلم النافع و العمل الصالح أن يتحفظوا على معرفتهم و ثقافتهم، و أن يردوا المتخلف عن طريق الخير المعروف عندهم إليه، و أن لا يدعوا المائل عن طريق الخير المعروف و هو الواقع في مهبط الشر المنكر عندهم أن يقع في مهلكة الشر و ينهوه عنه.
و هذه هي الدعوة بالتعليم و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و هي التي يذكرها الله في هذه الآية بقوله: {يدْعُون إِلى الْخيْرِ و يأْمُرُون بِالْمعْرُوفِ و ينْهوْن عنِ الْمُنْكرِ}.

