تفسير الميزان ج۳
371التجربة، و الثاني و هو قوله: {و كُنْتُمْ على شفا حُفْرةٍ}، على طريقة البيان العقلي كما هو ظاهر.
و في قوله: {فأصْبحْتُمْ بِنِعْمتِهِ إِخْواناً} تكرار للامتنان الذي يدل عليه قوله: {و اُذْكُرُوا نِعْمت اللّهِ عليْكُمْ}، و المراد بالنعمة هو التأليف فالمراد بالأخوة التي توجده و تحققه هذه النعمة أيضا تألف القلوب فالأخوة هاهنا حقيقة ادعائية.
و يمكن أن يكون إشارة إلى ما يشتمل عليه قوله: {إِنّما الْمُؤْمِنُون إِخْوةٌ} (الآية) الحجرات - ١٠، من تشريع الأخوة بينهم فإن بين المؤمنين أخوة مشرعة تتعلق بها حقوق هامة.
قوله تعالى: {و كُنْتُمْ على شفا حُفْرةٍ مِن النّارِ فأنْقذكُمْ مِنْها}، شفا الحفرة، طرفها الذي يشرف على السقوط فيها من كان به.
و المراد من النار إن كان نار الآخرة فالمراد بكونهم على شفا حفرتها أنهم كانوا كافرين ليس بينهم و بين الوقوع فيها إلا الموت الذي هو أقرب إلى الإنسان من سواد العين إلى بياضها فأنقذهم الله منها بالإيمان.
و إن كان المراد بيان حالهم في مجتمعهم الفاسد الذي كانوا فيه قبل إيمانهم و تألف قلوبهم، و كان المراد بالنار هي الحروب و المنازعات - و هو من الاستعمالات الشائعة بطريق الاستعارة - فالمقصود أن المجتمع الذي بني على تشتت القلوب و اختلاف المقاصد و الأهواء، و لا محالة لا يسير مثل هذا المجتمع بدليل واحد يهديهم إلى غاية واحدة بل بأدلة شتى تختلف باختلاف الميول الشخصية و التحكمات الفردية اللاغية التي تهديهم إلى أشد الخلاف و الاختلاف يشرفهم إلى أردإ التنازع، و يهددهم دائما بالقتال و النزال، و يعدهم الفناء و الزوال، و هي النار التي لا تبقى و لا تذر على حفرة الجهالة التي لا منجا و لا مخلص للساقط فيها.
فهؤلاء هم طائفة من المسلمين كانوا آمنوا قبل نزول الآية بعد كفرهم، و هم المخاطبون الأقربون بهذه الآيات لم يكونوا يعيشون مدى حيوتهم قبل الإسلام إلا في حال تهددهم الحروب و المقاتلات آنا بعد آن، فلا أمن و لا راحة و لا فراغ، و لم يكونوا يفقهون ما حقيقة الأمن العام الذي يعم المجتمع بجميع جهاتها من جاه و مال و عرض و نفس و غير ذلك.

