تفسير الميزان ج۳
369من قوله: {و كيْف تكْفُرُون و أنْتُمْ تُتْلى عليْكُمْ آياتُ اللّهِ و فِيكُمْ رسُولُهُ و منْ يعْتصِمْ بِاللّهِ} الآية أن التمسك بآيات الله و برسوله (الكتاب و السنة) اعتصام بالله مأمون معه المتمسك المعتصم، مضمون له الهدى، و التمسك بذيل الرسول تمسك بذيل الكتاب فإن الكتاب هو الذي يأمر بذلك في مثل قوله {و ما آتاكُمُ الرّسُولُ فخُذُوهُ و ما نهاكُمْ عنْهُ فانْتهُوا} الحشر - ٧.
و قد بدل في هذه الآية الاعتصام المندوب إليه في تلك الآية بالاعتصام بحبل الله فأنتج ذلك أن حبل الله هو الكتاب المنزل من عند الله، و هو الذي يصل ما بين العبد و الرب و يربط السماء بالأرض، و إن شئت قلت: إن حبل الله هو القرآن و النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقد عرفت أن مآل الجميع واحد.
و القرآن و إن لم يدع إلا إلى حق التقوى و الإسلام الثابت لكن غرض هذه الآية غير غرض الآية السابقة الآمرة بحق التقوى و الموت على الإسلام فإن الآية السابقة تتعرض لحكم الفرد، و هذه الآية تتعرض لحكم الجماعة المجتمعة و الدليل عليه قوله: {جمِيعاً} و قوله: {و لا تفرّقُوا}؛ فالآيات تأمر المجتمع الإسلامي بالاعتصام بالكتاب و السنة كما تأمر الفرد بذلك.
قوله تعالى: {و اُذْكُرُوا نِعْمت اللّهِ عليْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أعْداءً فألّف بيْن قُلُوبِكُمْ فأصْبحْتُمْ بِنِعْمتِهِ إِخْواناً}جملة {إِذْ كُنْتُمْ}، بيان لما ذكر من النعمة، و عليه يعطف قوله: {و كُنْتُمْ على شفا حُفْرةٍ مِن النّارِ فأنْقذكُمْ مِنْها}.
و الأمر بذكر هذه النعمة مبني على ما عليه دأب القرآن أن يضع تعليمه على بيان العلل و الأسباب، و يدعو إلى الخير و الهدى من وجهه من غير أن يأمر بالتقليد العامي المعمي، و حاشا التعليم الإلهي أن يهدي الناس إلى السعادة و هي العلم النافع و العمل الصالح ثم يأمر بالوقوع في تيه التقليد و ظلمة الجهل.
لكن يجب أن لا يشتبه الأمر و لا يختلط الحال على المتدبر الباحث، فالله سبحانه يعلم الناس حقيقة سعادتهم، و يعلم الوجه فيها ليتبصروا بارتباط الحقائق بعضها ببعض، و أن الجميع فائضة من منبع التوحيد مع وجوب إسلامهم لله لأنه الله رب العالمين

