تفسير الميزان ج۳
368حسب ما يطبقه كل فهم على ما يستطيعه صاحبه ثم يكون ذلك وسيلة ليفهم من هذه الآية أعني قوله: { اِتّقُوا اللّه حقّ تُقاتِهِ و لا تمُوتُنّ إِلاّ و أنْتُمْ مُسْلِمُون} أن المراد أن يقعوا في صراط حق التقوى، و يقصدوا نيل هذا المقام و الشخوص و المثول فيه، و ذلك نظير الاهتداء إلى الصراط المستقيم الذي لا يتمكن منه إلا الأوحديون، و مع ذلك يدعى إليه جميع الناس، فيكون محصل الآيتين: {اِتّقُوا اللّه حقّ تُقاتِهِ}- {فاتّقُوا اللّه ما اِسْتطعْتُمْ}) أن يندب جميع الناس و يدعوا إلى حق التقوى ثم يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا و استطاعوا، و ينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلا أنهم في مراحل مختلفة، و على درجات مختلفة على طبق ما عندهم من الأفهام و الهمم، و على ما يفاض عليهم من توفيق الله و تأييده و تسديده، فهذا ما يعطيه التدبر في معنى الآيتين.
و منه يظهر: أن الآيتين غير مختلفتين بحسب المضمون، و لا أن الآية الأولى أعني قوله: {اِتّقُوا اللّه حقّ تُقاتِهِ} الآية، أريد بها عين ما أريد من قوله: {فاتّقُوا اللّه ما اِسْتطعْتُمْ} (الآية) بل الآية الأولى تدعو إلى المقصد و الثانية تبين كيفية السلوك.
قوله تعالى: {و لا تمُوتُنّ إِلاّ و أنْتُمْ مُسْلِمُون} الموت من الأمور التكوينية التي هي خارجة عن حومة اختيارنا، و لذلك يكون الأمر و النهي المتعلقان به و بأمثاله أمرا و نهيا تكوينيين كقوله: {فقال لهُمُ اللّهُ مُوتُوا} البقرة - ٢٤٣، و قوله: {أنْ يقُول لهُ كُنْ فيكُونُ} يس - ٨٢، إلا أنه ربما يجعل الأمر غير الاختياري مضافا إلى أمر اختياري فيتركبان بنحو و ينسب المركب إلى الاختيار فيتأتى الأمر و النهي الاعتباري حينئذ كقوله تعالى: {فلا تكُوننّ مِن الْمُمْترِين} البقرة - ١٤٧، و قوله: {و لا تكُنْ مع الْكافِرِين} هود - ٤٢، و قوله: {و كُونُوا مع الصّادِقِين} التوبة - ١١٩، و غير ذلك، فإن أصل الكون لازم تكويني للإنسان لا أثر لاختياره فيه لكنه بارتباطه بأمر اختياري كالامتراء و الكفر و التزام الصدق مثلا يعد أمرا اختياريا فيؤمر به و ينهى عنه أمرا و نهيا مولويين.
و بالجملة النهي عن الموت إلا مع الإسلام إنما هو لمكان عده اختياريا و يرجع بالأخرة إلى الكناية عن لزوم التزام الإسلام في جميع الحالات حتى يقع الموت في واحدة من هذه الحالات، فيكون الميت مات في حال الإسلام.
قوله تعالى: {و اِعْتصِمُوا بِحبْلِ اللّهِ جمِيعاً و لا تفرّقُوا}، ذكر سبحانه فيما مر

