تفسير الميزان ج۳
365قوله تعالى: {قُلْ يا أهْل الْكِتابِ لِم تصُدُّون عنْ سبِيلِ اللّهِ} إلى قوله: {عِوجاً}، الصد الصرف، و قوله: {تبْغُونها} أي تطلبون السبيل، و قوله: {عِوجاً} العوج المعطوف المحرف، و المراد طلب سبيل الله معوجا من غير استقامة.
قوله تعالى: {و أنْتُمْ شُهداءُ}، أي تعلمون أن الطعام كان حلا قبل نزول التوراة و أن من خصائص النبوة تحويل القبلة إلى الكعبة، و قد حاذى في عدهم شهداء في هذه الآية ما في الآية السابقة من عد نفسه تعالى شهيدا على فعلهم و كفرهم، و فيه من اللطف ما لا يخفى فهم شهداء على حقيقة ما ينكرونه و الله شهيد على إنكارهم و كفرهم. و لما نسب الشهادة إليهم في هذه الآية أبدل ما ذيل به الآية السابقة أعني قوله: {و اللّهُ شهِيدٌ على ما تعْملُون} من قوله في ذيل هذه الآية: { و ما اللّهُ بِغافِلٍ عمّا تعْملُون} فأفاد ذلك أنهم شهداء على الحقية، و الله سبحانه شهيد على الجميع.
قوله تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا} إلى قوله: {و فِيكُمْ رسُولُهُ}، المراد بالفريق كما تقدم هم اليهود أو فريق منهم، و قوله تعالى: {و أنْتُمْ تُتْلى عليْكُمْ آياتُ اللّهِ و فِيكُمْ رسُولُهُ} أي يمكنكم أن تعتصموا بالحق الذي يظهر لكم بالإنصات إلى آيات الله و التدبر فيها ثم الرجوع فيما خفي عليكم منها لقلة التدبر أو الرجوع ابتداء إلى رسوله الذي هو فيكم غير محتجب عنكم و لا بعيد عنكم، و استظهار الحق بالرجوع إليه ثم إبطال شبهة ألقتها اليهود إليكم و التمسك بآيات الله و برسوله و الاعتصام بهما اعتصام بالله، {و منْ يعْتصِمْ بِاللّهِ فقدْ هُدِي إِلى صِراطٍ مُسْتقِيمٍ}.
فالمراد بالكفر في قوله: {و كيْف تكْفُرُون}، الكفر بعد الإيمان، و قوله: {وأنْتُمْ تُتْلى عليْكُمْ}، كناية من إمكان الاعتصام في الاجتناب عن الكفر بآيات الله و برسوله، و قوله: {و منْ يعْتصِمْ بِاللّهِ}، بمنزلة الكبرى الكلية لذلك و المراد بالهداية إلى صراط مستقيم الاهتداء إلى إيمان ثابت و هو الصراط الذي لا يختلف و لا يتخلف أمره، و يجمع سالكيه في مستواه و لا يدعهم يخرجون عن الطريق فيضلوا.
و في تحقيق الماضي في قوله: {فقدْ هُدِي}، مع حذف الفاعل دلالة على تحقق الفعل من غير شعور بفاعله.
و يتبين من الآية أن الكتاب و السنة كافيان في الدلالة على كل حق يمكن أن يضل فيه.

