تفسير الميزان ج۳
364و ذلك بإلقاء شبهات إلى المؤمنين يرون بها الحق باطلا، و الباطل الذي يدعونهم إليه حقا، و الآيات السابقة تدل على ما انحرفوا فيه من إنكار حلية كل الطعام قبل التوراة، و إنكار نسخ استقبال بيت المقدس، فهذه الآيات متممات للآيات السابقة المتعرضة لحل الطعام قبل التوراة، و كون الكعبة أول بيت وضع للناس فهي تشتمل على الإنكار و التوبيخ لليهود في إلقائهم الشبهات و تفتينهم المؤمنين في دينهم، و تحذير للمؤمنين أن يطيعوهم فيما يدعون إليه فيكفروا بالدين، و ترغيب و تحريص لهم أن يعتصموا بالله فيهتدوا إلى صراط الإيمان و تدوم هدايتهم.
و قد ورد عن زيد بن أسلم كما رواه السيوطي في لباب النقول، على ما قيل۱: أن شاش بن قيس - و كان يهوديا - مر على نفر من الأوس و الخزرج يتحدثون فغاظه ما رأى من تألفهم بعد العداوة فأمر شابا معه من اليهود أن يجلس بينهم فيذكرهم يوم بعاث ففعل، فتنازعوا و تفاخروا حتى وثب رجلان. أوس بن قرظي من الأوس، و جبار بن صخر من الخزرج فتقاولا و غضب الفريقان، و تواثبوا للقتال فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فجاء حتى وعظهم و أصلح بينهم فسمعوا و أطاعوا فأنزل الله في أوس و جبار: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا إِنْ تُطِيعُوا فرِيقاً مِن الّذِين أُوتُوا الْكِتاب} (الآية) و في شاش بن قيس: {يا أهْل الْكِتابِ لِم تصُدُّون عنْ سبِيلِ اللّهِ} الآية.
و الرواية مختصرة مستخرجة مما رواه في الدر المنثور، عن زيد بن أسلم مفصلا و روي ما يقرب منها عن ابن عباس و غيره.
و كيف كان، الآيات أقرب انطباقا على ما ذكرنا منها على الرواية كما هو ظاهر، على أن الآيات يذكر الكفر و الإيمان، و شهادة اليهود، و تلاوة آيات الله على المؤمنين، و نحو ذلك، و كل ذلك لما ذكرناه أنسب، و يؤيد ذلك قوله تعالى: {ودّ كثِيرٌ مِنْ أهْلِ الْكِتابِ لوْ يرُدُّونكُمْ مِنْ بعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حسداً مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ} الآيةالبقرة - ١٠٩ فالحق كما ذكرنا أن الآيات متممة لسابقتها.
قوله تعالى: {قُلْ يا أهْل الْكِتابِ لِم تكْفُرُون بِآياتِ اللّهِ}إلخ، المراد بالآيات بقرينة وحدة السياق حلية الطعام قبل نزول التوراة، و كون القبلة هي الكعبة في الإسلام.
- المجلد الرابع من تفسير المنار: سورة آل عمران - تفسير الآية.

