تفسير الميزان ج۳
354دالتين على بدلين محذوفين. و التقدير فيه آيات بينات مقام إبراهيم و أمن الداخل و حج المستطيع للبيت.
و لا ريب في كون كل واحد من هذه الأمور آية بينة دالة بوقوعها على الله سبحانه مذكرة لمقامه إذ ليست الآية إلا العلامة الدالة على الشيء بوجه، و أي علامة دالة عليه تعالى مذكرة لمقامه أعظم و أجلى في نظر أهل الدنيا من موقف إبراهيم و من حرم آمن يأمن من دخله و من مناسك و عبادات يأتي بها الألوف بعد الألوف من الناس تتكرر بتكرر السنين، و لا تنسخ بانتساخ الليالي و الأيام، و أما كون كل آية أمرا خارقا للعادة ناقضا لسنة الطبيعة فليس من الواجب، و لا لفظ الآية بمفهومه يدل عليه، و لا استعماله في القرآن ينحصر فيه. قال تعالى: {ما ننْسخْ مِنْ آيةٍ أوْ نُنْسِها} (الآية) البقرة - ١٠٦، و هي تشمل الأحكام المنسوخة في الشرع قطعا، و قال تعالى: {أ تبْنُون بِكُلِّ رِيعٍ آيةً تعْبثُون} الشعراء - ١٢٨، إلى غير ذلك من الآيات.
و من هنا يظهر ما في إصرار بعض المفسرين على توجيه كون المقام آية خارقة، و كون الأمن و الحج مذكورين لغير غرض بيان الآية.
و كذا إصرار آخرين على أن المراد بالآيات البينات أمور أخر من خواص الكعبة (و قد أغمضنا عن ذكرها، و من أرادها فليراجع بعض مطولات التفاسير) فإن ذلك مبني على كون المراد من الآيات الآيات المعجزة و خوارق العادة، و لا دليل على ذلك كما مر.
فالحق أن قوله: {و منْ دخلهُ كان آمِناً} مسوق لبيان حكم تشريعي لا خاصة تكوينية غير أن الظاهر أن يكون الجملة إخبارية يخبر بها عن تشريع سابق للأمن كما ربما استفيد ذلك من دعوة إبراهيم المذكورة في سورتي إبراهيم و البقرة و قد كان هذا الحق محفوظا للبيت قبل البعثة بين عرب الجاهلية و يتصل بزمن إبراهيم (عليه السلام).
و أما كون المراد من حديث الأمن هو الإخبار بأن الفتن و الحوادث العظام لا تقع و لا ينسحب ذيلها إلى الحرم فيدفعه وقوع ما وقع من الحروب و المقاتلات و اختلال الأمن فيه، و خاصة ما وقع منها قبل نزول هذه الآية، و قوله تعالى {أ و لمْ يروْا أنّا جعلْنا حرماً آمِناً و يُتخطّفُ النّاسُ مِنْ حوْلِهِمْ} العنكبوت - ٦٧، لا يدل على أزيد من استقرار الأمن و استمراره في الحرم، و ليس ذلك إلا لما يراه الناس من

