تفسير الميزان ج۳
353في المكان الذي يدعى اليوم بمقام إبراهيم على حافة المطاف حيال الملتزم، و قد أشار إليه أبو طالب عم النبي في قصيدته اللامية:
و موطئ إبراهيم في الصخر رطبة *** على قدميه حافيا غير ناعل و ربما يفهم من قوله: {مقامُ إِبْراهِيم} أن البيت أو في البيت موضع قيام إبراهيم بعبادة الله سبحانه.
و يمكن أن يكون تقدير الكلام: هي مقام إبراهيم و الأمن و الحج ثم وضع قوله: {و منْ دخلهُ}، و قوله: {و لِلّهِ على النّاسِ}، و هما جملتان مشتملتان على حكم إنشائي موضع الخبرين، و هذا من أعاجيب أسلوب القرآن حيث يستخدم الكلام المسوق لغرض في سبيل غرض آخر فيضعه موضعه لينتقل منه إليه فيفيد فائدتين، و يحفظ الجهتين كحكاية الكلام في موضع الإخبار كقوله: {كُلٌّ آمن بِاللّهِ و ملائِكتِهِ و كُتُبِهِ و رُسُلِهِ لا نُفرِّقُ بيْن أحدٍ مِنْ رُسُلِهِ} البقرة - ٢٨٥، و كما مر في قوله تعالى {أ لمْ تر إِلى الّذِي حاجّ إِبْراهِيم فِي ربِّهِ} (الآية) البقرة - ٢٥٨، و قوله: {أوْ كالّذِي مرّ على قرْيةٍ} (الآية) البقرة - ٢٥٩، و قد بينا النكتة في ذلك في تفسير الثانية، و كما في قوله تعالى: {يوْم لا ينْفعُ مالٌ و لا بنُون إِلاّ منْ أتى اللّه بِقلْبٍ سلِيمٍ} الشعراء - ٨٩، و كما في قوله تعالى: {و لكِنّ الْبِرّ منْ آمن بِاللّهِ} (الآية) البقرة - ١٧٧، حيث وضع صاحب البر، مكان البر، و كما في قوله تعالى: {و مثلُ الّذِين كفرُوا كمثلِ الّذِي ينْعِقُ بِما لا يسْمعُ} (الآية) البقرة - ١٧١ و مثله غالب الأمثال الواردة في القرآن الكريم.
و على هذا فوزان قوله: {فِيهِ آياتٌ بيِّناتٌ مقامُ إِبْراهِيم} إلى قوله {عنِ الْعالمِين} في التردد بين الإنشاء و الإخبار، وزان قوله: {و اُذْكُرْ عبْدنا أيُّوب إِذْ نادى ربّهُ أنِّي مسّنِي الشّيْطانُ بِنُصْبٍ و عذابٍ اُرْكُضْ بِرِجْلِك هذا مُغْتسلٌ بارِدٌ و شرابٌ و وهبْنا لهُ أهْلهُ و مِثْلهُمْ معهُمْ رحْمةً مِنّا و ذِكْرى لِأُولِي الْألْبابِ و خُذْ بِيدِك ضِغْثاً فاضْرِبْ بِهِ و لا تحْنثْ إِنّا وجدْناهُ صابِراً نِعْم الْعبْدُ إِنّهُ أوّابٌ} ص - ٤٤.
و هذا الذي ذكرناه غير ما ذكره بعضهم من حديث البدلية، و إن كان بدلا و لا بد فالأولى جعل قوله: {مقامُ إِبْراهِيم} بدلا و جعل الجملتين التاليتين مستأنفتين

