تفسير الميزان ج۳
351بِوادٍ غيْرِ ذِي زرْعٍ عِنْد بيْتِك الْمُحرّمِ ربّنا لِيُقِيمُوا الصّلاة فاجْعلْ أفْئِدةً مِن النّاسِ تهْوِي إِليْهِمْ و اُرْزُقْهُمْ مِن الثّمراتِ لعلّهُمْ يشْكُرُون} إبراهيم - ٣٧.
و كونه هدى هو إراءته للناس سعادة آخرتهم، و إيصاله إياهم إلى الكرامة و القرب و الزلفى بما وضعه الله للعبادة، و بما شرع عنده من أقسام الطاعات و النسك و لم يزل منذ بناه إبراهيم مقصدا للقاصدين و معبدا للعابدين.
و قد دل القرآن على أن الحج شرع أول ما شرع في زمن إبراهيم (عليه السلام)بعد الفراغ من بنائه، قال تعالى: {و عهِدْنا إِلى إِبْراهِيم و إِسْماعِيل أنْ طهِّرا بيْتِي لِلطّائِفِين و الْعاكِفِين و الرُّكّعِ السُّجُودِ} البقرة - ١٢٥، و قال: خطابا لإبراهيم: {و أذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحجِّ يأْتُوك رِجالاً و على كُلِّ ضامِرٍ يأْتِين مِنْ كُلِّ فجٍّ عمِيقٍ} الحج - ٢٧، و الآية كما ترى تدل على أن هذا الأذان و الدعوة سيقابل بتلبية عامة من الناس الأقربين و الأبعدين من العشائر و القبائل.
و دل أيضا على أن هذا الشعار الإلهي كان على استقراره و معروفيته في زمن شعيب عند الناس كما حكاه الله عنه في قوله لموسى (عليه السلام): {إِنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحك إِحْدى اِبْنتيّ هاتيْنِ على أنْ تأْجُرنِي ثمانِي حِججٍ فإِنْ أتْممْت عشْراً فمِنْ عِنْدِك} القصص - ٢٧، فقد أراد بالحج سنة و ليس إلا لكون السنين تعد بالحج لتكررها بتكرره.
و كذا في دعوة إبراهيم (عليه السلام) شيء كثير يدل على كون البيت لم يزل معمورا بالعبادة آية في الهداية (راجع سورة إبراهيم).
و كان عرب الجاهلية يعظمونه و يأتون بالحج بعنوان أنه من شرع إبراهيم، و قد ذكر التاريخ أن سائر الناس أيضا كانوا يعظمونه، و هذا في نفسه نوع من الهداية لما فيه من التوجه إلى الله سبحانه و ذكره، و أما بعد ظهور الإسلام فالأمر أوضح، و قد ملأ ذكره مشارق الأرض و مغاربها، و هو يعرض نفسه لأفهام الناس و قلوبهم بنفسه و بذكره، و في عبادات المسلمين و طاعاتهم و قيامهم و قعودهم و مذابحهم و سائر شئونهم.
فهو هدى بجميع مراتب الهداية آخذة من الخطور الذهني إلى الانقطاع التام الذي لا يمسه إلا المطهرون من عباد الله المخلصين.

