تفسير الميزان ج۳
350القبلة كان من الأمور الهامة التي كانت له تأثيرات عميقة مادية و معنوية في حيوة أهل الكتاب و خاصة اليهود مضافا إلى كونه مخالفا لمذهبهم من النسخ، و لذلك طالت المشاجرات و المشاغبات بينهم و بين المسلمين بعد نزول حكم القبلة إلى أمد بعيد.
و المستفاد من (الآية) {إِنّ أوّل بيْتٍ} إلخ - أنهم جمعوا في شبهتهم بين شبهة النسخ و بين انتساب الحكم إلى ملة إبراهيم فيكون محصل الشبهة: أن الكعبة كيف يمكن أن يكون قبلة في ملة إبراهيم مع أن الله جعل بيت المقدس قبلة و هل هذا إلا القول بحكم نسخي في ملة إبراهيم الحقة مع كون النسخ محالا باطلا؟
و الجواب: أن الكعبة موضوعة للعبادة قبل غيرها كبيت المقدس فلقد بناها إبراهيم من غير شك و وضعها للعبادة، و فيها آيات بينات تدل على ذلك كمقام إبراهيم، و أما بيت المقدس فبانيه سليمان و هو بعد إبراهيم بقرون.
قوله تعالى: {إِنّ أوّل بيْتٍ وُضِع لِلنّاسِ للّذِي بِبكّة} إلى آخر الآية، البيت معروف، و المراد بوضع البيت للناس وضعه لعبادتهم و هو أن يجعلوه ذريعة يتوسل به إلى عبادة الله سبحانه، و يستعان به فيها بأن يعبد الله فيه، و بقصده و المسير إليه و غير ذلك، و الدليل على ذلك ما يشتمل عليه الكلام من كونه مباركا و هدى للعالمين و غير ذلك، و يشعر به التعبير عن الكعبة بالذي ببكة فإن فيه تلويحا إلى ازدحام الناس عنده في الطواف و الصلوة و غيرهما من العبادات و المناسك، و أما كونه أول بيت بني على الأرض و وضع لينتفع به الناس فلا دلالة على ذلك من جهة اللفظ.
و المراد ببكة أرض البيت سميت بكة لازدحام الناس فيها، و ربما قيل إن بكة هي مكة، و أنه من تبديل الميم باء كما في قولهم لازم و لازب و راتم و راتب و نحو ذلك، و قيل: هو اسم للحرم، و قيل: المسجد، و قيل: المطاف.
و المباركة مفاعلة من البركة و هي الخير الكثير، فالمباركة إفاضة الخير الكثير عليه و جعله فيه، و هي و إن كانت تشمل البركات الدنيوية و الأخروية، إلا أن ظاهر مقابلتها مع قوله: {هُدىً لِلْعالمِين} أن المراد بها إفاضة البركات الدنيوية و عمدتها وفور الأرزاق و توفر الهمم و الدواعي إلى عمرانه بالحج إليه و الحضور عنده و الاحترام له و إكرامه فيئول المعنى إلى ما يتضمنه قوله تعالى في دعوة إبراهيم: {ربّنا إِنِّي أسْكنْتُ مِنْ ذُرِّيّتِي

