تفسير الميزان ج۳
348أن القرآن سلك هذا المسلك في هذه الكلمة (في غير هذا المورد الذي يدعيانه) مع أن بني إسرائيل مذكور فيه فيما يقرب من أربعين موضعا، و من جملتها نفس هذه الآية: {كُلُّ الطّعامِ كان حِلاًّ لِبنِي إِسْرائِيل إِلاّ ما حرّم إِسْرائِيلُ على نفْسِهِ}، فما هو الفرق على قولهما بين الموضعين في الآية؟ حيث عبر عنهم أولا ببني إسرائيل، ثم أردف ذلك بقوله: {إِسْرائِيل}، مع أن المقام من أوضح مقامات الالتباس، و ناهيك في ذلك أن الجم الغفير من المفسرين فهموا منه أن المراد به يعقوب لا بنوه.
و من أحسن الشواهد على أن المراد به يعقوب قوله تعالى: {على نفْسِهِ} بإرجاع ضمير المفرد المذكر إلى إسرائيل و لو كان المراد به بني إسرائيل لكان من اللازم أن يقال: على نفسها أو على أنفسهم.
قوله تعالى: {قُلْ فأْتُوا بِالتّوْراةِ فاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين} أي حتى يتبين أن أي الفريقين على الحق، أنا أم أنتم، و هذا إلقاء جواب منه تعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم).
قوله تعالى: {فمنِ اِفْترى على اللّهِ الْكذِب مِنْ بعْدِ ذلِك فأُولئِك هُمُ الظّالِمُون}، ظاهره أنه كلام لله سبحانه يخاطب به نبيه ص، و على هذا ففيه تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)بأن أعداءه من اليهود هم الظالمون بعد هذا البيان لافترائهم الكذب على الله، و تعريض لليهود، و الكلام يجري مجرى الكناية.
و أما احتمال كون الكلام من تتمة كلام النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فلا يلائمه ظاهر إفراد خطاب الإشارة في قوله: {مِنْ بعْدِ ذلِك}، و على هذا أيضا يجري الكلام مجرى الكناية و الستر على الخصم المغلوب ليقع الكلام موقعه من القبول كما في قوله تعالى: {إِنّا أوْ إِيّاكُمْ لعلى هُدىً أوْ فِي ضلالٍ مُبِينٍ} سبأ - ٢٤، و المشار إليه بذلك هو البيان و الحجة.
و إنما قال: من بعد ذلك مع أن المفتري ظالم على أي حال لأن الظلم لا يتحقق قبل التبين كما قيل، و القصر في قوله: {فأُولئِك هُمُ الظّالِمُون} قصر قلب على أي حال.
قوله تعالى: {قُلْ صدق اللّهُ فاتّبِعُوا مِلّة إِبْراهِيم حنِيفاً} إلخ أي فإذا كان الحق معي فيما أخبرتكم به و دعوتكم إليه فاتبعوا ديني و اعترفوا بحلية لحم الإبل و غيره من الطيبات التي أحلها الله، و إنما كان حرمها عليكم عقوبة لاعتدائكم و ظلمكم كما أخبر تعالى به.

