تفسير الميزان ج۳
347أوردتها اليهود في النسخ، و تقريرها: أن اليهود كأنها قالت: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم و النبيين بعده كما تدعي فكيف تستحل ما كان محرما عليه و عليهم كلحم الإبل؟ أما و قد استبحت ما كان محرما عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم، و موافق في الدين، و لا أن تخص إبراهيم بالذكر فتقول: إني أولى به.
و محصل الجواب: أن كل الطعام كان حلا لعامة الناس و منهم بنو إسرائيل لكن بني إسرائيل حرموا أشياء على أنفسهم بما ارتكبوا من المعاصي، و السيئات كما قال تعالى: {فبِظُلْمٍ مِن الّذِين هادُوا حرّمْنا عليْهِمْ طيِّباتٍ أُحِلّتْ لهُمْ} (الآية) النساء - ١٦٠، فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب وحده، و معنى تحريمهم ذلك على أنفسهم: أنهم ارتكبوا الظلم و اجترحوا السيئات فكانت سببا للتحريم، و قوله: {مِنْ قبْلِ أنْ تُنزّل التّوْراةُ} متعلق بقوله: {حرّم إِسْرائِيلُ}، و لو كان المراد بقوله: إسرائيل هو يعقوب نفسه لكان قوله: {مِنْ قبْلِ أنْ تُنزّل التّوْراةُ} لغوا زائدا من الكلام لبداهة أن يعقوب كان قبل التوراة زمانا فلا وجه لذكره.
هذا محصل ما ذكره و ذكر بعض آخر نظير ما ذكره إلا أنه قال: إن المراد من تحريم بني إسرائيل على أنفسهم تحريمهم ذلك تشريعا من عند أنفسهم من غير أن يستند إلى وحي من الله سبحانه إلى بعض أنبيائهم كما كانت عرب الجاهلية تفعل ذلك على ما قصه الله تعالى في كتابه.
و قد ارتكبا جميعا من التكلف ما لا يرتضيه ذو خبرة فأخرجا الكلام من مجراه، و عمدة ما حملهما على ذلك حملهما قوله تعالى: {مِنْ قبْلِ أنْ تُنزّل التّوْراةُ} على أنه متعلق بقوله: {حرّم إِسْرائِيلُ}، مع كونه متعلقا بقوله: {كان حِلاًّ}، في صدر الكلام و قوله: {إِلاّ ما حرّم}، استثناء معترض.
و من ذلك يظهر أن لا حاجة إلى أخذ إسرائيل بمعنى بني إسرائيل كما توهما مستندين إلى عدم استقامة المعنى دونه.
على أن إطلاق إسرائيل و إرادة بني إسرائيل و إن كان جائزا على حد قولهم: بكر و تغلب و نزار و عدنان يريدون بني بكر و بني تغلب و بني نزار و بني عدنان لكنه في بني إسرائيل من حيث الوقوع استعمال غير معهود عند العرب في عهد النزول، و لا

