تفسير الميزان ج۳
346يهوديا على شريعة التوراة، فكيف يمكن أن تشتمل ملته على حلية ما حرمتها التوراة، و النسخ غير جائز؟.
فقد تبين أن الآية إنما تتعرض لدفع شبهة أوردتها اليهود، و يظهر من عدم تعرض الآية لنقل الشبهة عنهم كما يجري عليه القرآن في غالب الموارد كقوله تعالى: {و قالتِ الْيهُودُ يدُ اللّهِ مغْلُولةٌ} المائدة - ٦٤، و قوله: {و قالُوا لنْ تمسّنا النّارُ إِلاّ أيّاماً معْدُودةً} البقرة - ٨٠، و قوله {و قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ} البقرة - ٨٨ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
و كذا قوله تعالى بعد عدة آيات: {قُلْ يا أهْل الْكِتابِ لِم تصُدُّون عنْ سبِيلِ اللّهِ منْ آمن} إلى أن قال: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا إِنْ تُطِيعُوا فرِيقاً مِن الّذِين أُوتُوا الْكِتاب يرُدُّوكُمْ بعْد إِيمانِكُمْ كافِرِين} الآيات - آل عمران ١٠٠-٩٨.
و بالجملة يظهر من ذلك أنها كانت شبهة تلقيه اليهود لا على رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)بل على المؤمنين في ضمن ما كانوا يتلاقون و يتحاورون.
و حاصلها: أنه كيف يكون النبي صادقا و هو يخبر بالنسخ، و أن الله إنما حرم الطيبات على بني إسرائيل لظلمهم، و هذا نسخ لحل سابق لا يجوز على الله سبحانه بل المحرمات محرمة دائما من غير إمكان تغيير لحكم الله، و حاصل الجواب من النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بتعليم من الله تعالى: أن التوراة ناطقة بكون كل الطعام حلا قبل نزولها فأتوا بالتوراة و اتلوها إن كنتم صادقين في قولكم، و هو قوله تعالى: {كُلُّ الطّعامِ كان حِلاًّ لِبنِي إِسْرائِيل} إلى قوله { إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين}.
فإن أبيتم الإتيان بالتوراة و تلاوتها فاعترفوا بأنكم المفترون على الله الكذب و أنكم الظالمون، و ذلك قوله تعالى: {فمنِ اِفْترى} إلى قوله {الظّالِمُون}.
و قد تبين بذلك أني صادق في دعوتي فاتبعوا ملتي و هي ملة إبراهيم حنيفا، و ذلك قوله تعالى: {قُلْ صدق اللّهُ فاتّبِعُوا مِلّة إِبْراهِيم} إلى آخر الآية.
و للمفسرين في توضيح معنى الآية بيانات مختلفة لكنهم على أي حال ذكروا أن الآية متعرضة لبيان شبهة أوردتها اليهود مرتبطة بالنسخ كما مر.
و أعجب ما قيل في المقام ما ذكره بعضهم: أن الآية متعرضة لجواب شبهة

