تفسير الميزان ج۳
344و ربما يقال: إن الخطاب في الآية موجه إلى بني إسرائيل، و لا يزال موجها إليهم، و محصل المعنى بعد ما مر من توبيخهم و لومهم على حب الدنيا و إيثار المال و المنال على دين الله: أنكم كاذبون في دعواكم أنكم منسوبون إلى الله سبحانه و أنبيائه و أنكم أهل البر و التقوى، فإنكم تحبون كرائم أموالكم و تبخلون في بذلها و لا تنفقون منها إلا الردي الذي لا تتعلق به النفوس مما لا يعبأ بزواله و فقده مع أنه لا ينال البر إلا بإنفاق الإنسان ما يحبه من كرائم ماله، و لا يفوت الله سبحانه حفظه، هذا محصل ما قيل: و فيه تمحل ظاهر!
و أما بقية الآيات فارتباطها بالبيانات السابقة ظاهر لا غبار عليه.
قوله تعالى: {لنْ تنالُوا الْبِرّ حتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّون}، النيل هو الوصول، و البر هو التوسع في فعل الخير، قال الراغب: البر
خلاف البحر، و تصور منه التوسع فاشتق منه البر أي التوسع في فعل الخير، انتهى.
و مراده من فعل الخير أعم مما هو فعل القلب كالاعتقاد الحق و النية الطاهرة أو فعل الجوارح كالعبادة لله و الإنفاق في سبيل الله تعالى، و قد اشتمل على القسمين جميعا قوله تعالى: {ليْس الْبِرّ أنْ تُولُّوا وُجُوهكُمْ قِبل الْمشْرِقِ و الْمغْرِبِ و لكِنّ الْبِرّ منْ آمن بِاللّهِ و الْيوْمِ الْآخِرِ و الْملائِكةِ و الْكِتابِ و النّبِيِّين و آتى الْمال على حُبِّهِ ذوِي الْقُرْبى و الْيتامى و الْمساكِين و اِبْن السّبِيلِ و السّائِلِين و فِي الرِّقابِ و أقام الصّلاة و آتى الزّكاة و الْمُوفُون بِعهْدِهِمْ إِذا عاهدُوا و الصّابِرِين فِي الْبأْساءِ و الضّرّاءِ و حِين الْبأْسِ} (الآية) البقرة - ١٧٧.
و من انضمام الآية إلى قوله: {لنْ تنالُوا الْبِرّ} (الآية) يتبين أن المراد بها أن إنفاق المال على حبه، أحد أركان البر التي لا يتم إلا باجتماعها نعم جعل الإنفاق غاية لنيل البر لا يخلو عن العناية و الاهتمام بأمر هذا الجزء بخصوصه لما في غريزة الإنسان من التعلق القلبي بما جمعه من المال، و عده كأنه جزء من نفسه إذا فقده فكأنه فقد جزء من حيوة نفسه بخلاف سائر العبادات و الأعمال التي لا يظهر معها فوت و لا زوال منه.
و من هنا يظهر ما في قول بعضهم إن البر هو الإنفاق مما تحبون، و كان هذا القائل جعلها من قبيل قول القائل: لا تنجو من ألم الجوع حتى تأكل، و نحو ذلك، لكنه محجوج بما مر من الآية.

