تفسير الميزان ج۳
31و نظير هذا الوجه جار في تعليلهم قولهم {و هبْ لنا مِنْ لدُنْك رحْمةً} بقولهم: {إِنّك أنْت الْوهّابُ}، فكونه تعالى وهابا يعلل به سؤالهم الرحمة، و إتيانهم بلفظة أنت و تعريف الخبر باللام المفيد للحصر يعلل به قولهم: {مِنْ لدُنْك}، الدال على الاختصاص، و كذا يجري مثل الوجه في قولهم: {ربّنا لا تُزِغْ قُلُوبنا}، حيث عقبوه بما يجري مجرى العلة بالنسبة إليه، و هو قولهم: {بعْد إِذْ هديْتنا}، و قد مر آنفا أن قولهم: {آمنّا بِهِ}، من حيث تعقيبه بقولهم: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ ربِّنا}، من هذا القبيل أيضا.
فهؤلاء رجال آمنوا بربهم و ثبتوا عليه فهداهم الله سبحانه، و كمل عقولهم فلا يقولون إلا عن علم و لا يفعلون إلا عن علم فسماهم الله تعالى راسخين في العلم، و كنى عنهم بأولى الألباب، و أنت إذا تدبرت ما عرف الله به أولي الألباب وجدته منطبقا على ما ذكره من شأنهم في هذه الآيات، قال تعالى: {و الّذِين اِجْتنبُوا الطّاغُوت أنْ يعْبُدُوها و أنابُوا إِلى اللّهِ لهُمُ الْبُشْرى فبشِّرْ عِبادِ الّذِين يسْتمِعُون الْقوْل فيتّبِعُون أحْسنهُ أُولئِك الّذِين هداهُمُ اللّهُ و أُولئِك هُمْ أُولُوا الْألْبابِ} الزمر - ١٨. فوصفهم بالإيمان و اتباع أحسن القول، و الإنابة إلى الله سبحانه، و قد وصف بهذه الأوصاف الراسخين في العلم في هذه الآيات.
و أما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله {إِنّ اللّه لا يُخْلِفُ الْمِيعاد}فلأن هذا الميعاد لا يختص بهم بل يعمهم و غيرهم فكان الأولى تبديل قولهم: {ربّنا}، إلى لفظة الجلالة لأن حكم الألوهية عام شامل لكل شيء.
كلام تفصيلي في المحكم و المتشابه و التأويل
هذا الذي أوردناه من الكلام في معنى المحكم و المتشابه و التأويل فيما مر هو الذي يتحصل من تدبر كلامه سبحانه و يستفاد من المأثور عن أئمة أهل البيت (عليه السلام) سيجيء في البحث الروائي.
لكن القوم اختلفوا في المقام، و قد شاع الخلاف و اشتد الانحراف بينهم، و ينسحب ذيل النزاع و المشاجرة إلى الصدر الأول من مفسري الصحابة و التابعين، و قلما يوجد في ما نقل إلينا من كلامهم ما يقرب مما مر من البيان فضلا عن أن ينطبق

