تفسير الميزان ج۳
30صراط الهداية و السلوك في مراتب القرب.
و أما سؤال أن يهبهم رحمة بعد سؤال أن لا يزيغ قلوبهم فلأن عدم إزاغة القلب لا يستلزم بقاء الرسوخ في العلم فمن الجائز أن لا يزاغ قلوبهم و ينتزع عنها العلم فتبقى سدى مهملة لا سعداء بالعلم و لا أشقياء بالإزاغة بل في حال الجهل و الاستضعاف، و هم في حاجة مبرمة إلى ما هم عليه من العلم، و مع ذلك لا تقف حاجتهم في ما هم عليه من الموقف بل هم سائروا طريق يحتاجون فيه إلى أنواع من الرحمة لا يعلمها و لا يحصيها إلا الله سبحانه، و هم مستشعرون بحاجتهم هذه و الدليل عليه قولهم بعد: {ربّنا إِنّك جامِعُ النّاسِ لِيوْمٍ لا ريْب فِيهِ}.
فقولهم: {ربّنا لا تُزِغْ قُلُوبنا بعْد إِذْ هديْتنا}، استعاذة من نزول الزيغ إلى قلوبهم و إزاحته العلم الراسخ الذي فيها و قولهم {و هبْ لنا مِنْ لدُنْك رحْمةً إِنّك أنْت الْوهّابُ}، استمطار لسحاب الرحمة حتى تدوم بها حياة قلوبهم و تنكير الرحمة، و توصيفها بكونها من لدنه إظهار منهم الجهل بشأن هذه الرحمة، و أنها كيف ينبغي أن تكون غير أنهم يعلمون أنه لو لا رحمة من ربهم و لو لا كونها من لدنه لم يتم لهم أمر.
و في الاستعاذة من الزيغ إلى الله محضا و استيهاب الرحمة من لدنه محضا دلالة على أنهم يرون تمام الملك لله محضا من غير توجه إلى أمر الأسباب.
قوله تعالى: {ربّنا إِنّك جامِعُ النّاسِ لِيوْمٍ لا ريْب فِيهِ إِنّ اللّه لا يُخْلِفُ الْمِيعاد}، هذا منهم بمنزلة التعليل لسؤال الرحمة و ذلك لعلمهم بأن إقامة نظام الخلقة و دعوة الدين و كدح الإنسان في مسير وجوده كل ذلك مقدمة لجمعهم إلى يوم القيامة الذي لا يغني فيه و لا ينصر أحد إلا بالرحمة كما قال تعالى: {إِنّ يوْم الْفصْلِ مِيقاتُهُمْ أجْمعِين يوْم لا يُغْنِي موْلًى عنْ موْلًى شيْئاً و لا هُمْ يُنْصرُون إِلاّ منْ رحِم اللّهُ} الدخان - ٤٢ و لذلك سألوا رحمة من ربهم و فوضوا تعيينها و تشخيصها إليه لينفعهم في أمرهم.
و قد وصفوا هذا اليوم بأنه لا ريب فيه ليتجه بذلك كمال اهتمامهم بالسؤال و الدعاء، و عللوا هذا التوصيف أيضا بقولهم: {إِنّ اللّه لا يُخْلِفُ الْمِيعاد}، لأن شأنهم الرسوخ في العلم، و لا يرسخ العلم بشيء و لا يستقر تصديق إلا مع العلم بعلته المنتجة، و علة عدم ارتيابهم في تحقق هذا اليوم هو ميعاد الله سبحانه به فذكروه.

