تفسير الميزان ج۳
27إِلاّ تأْوِيلهُ يوْم يأْتِي تأْوِيلُهُ} (الآية) فإن أمثال قوله تعالى: {لقدْ كُنْت فِي غفْلةٍ مِنْ هذا فكشفْنا عنْك غِطاءك فبصرُك الْيوْم حدِيدٌ} ق - ٢٢، تدل على أن مشاهدة وقوع ما أخبر به الكتاب و أنبأ به الأنبياء يوم القيامة من غير سنخ المشاهدة الحسية التي نعهدها في الدنيا كما أن نفس وقوعها و النظام الحاكم فيها غير ما نألفه في نشأتنا هذه، و سيجيء مزيد بيان له فرجوع أخبار الكتاب و النبوة إلى مضامينها الظاهرة يوم القيامة ليس من قبيل رجوع الإخبار عن الأمور المستقبلة إلى تحقق مضامينها في المستقبل.
فقد تبين بما مر: أولا: أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة.
و ثانيا: أن التأويل لا يختص بالآيات المتشابهة بل لجميع القرآن تأويل فللآية المحكمة تأويل كما أن للمتشابهة تأويلا.
و ثالثا: أن التأويل ليس من المفاهيم التي هي مداليل للألفاظ بل هو من الأمور الخارجية العينية، و اتصاف الآيات بكونها ذات تأويل من قبيل الوصف بحال المتعلق، و أما إطلاق التأويل و إرادة المعنى المخالف لظاهر اللفظ، فاستعمال مولد نشأ بعد نزول القرآن لا دليل أصلا على كونه هو المراد من قوله تعالى: {و اِبْتِغاء تأْوِيلِهِ و ما يعْلمُ تأْوِيلهُ إِلاّ اللّهُ} (الآية) كما لا دليل على أكثر المعاني المذكورة للتأويل مما سننقله عن قريب.
قوله تعالى: {و ما يعْلمُ تأْوِيلهُ إِلاّ اللّهُ}، ظاهر الكلام رجوع الضمير إلى ما تشابه، لقربه كما هو الظاهر أيضا في قوله: {و اِبْتِغاء تأْوِيلِهِ}، و قد عرفت أن ذلك لا يستلزم كون التأويل مقصورا على الآيات المتشابهة. و من الممكن أيضا رجوع الضمير إلى الكتاب كالضمير في قوله: {ما تشابه مِنْهُ}.
و ظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصورا عليه سبحانه و أما قوله: {و الرّاسِخُون فِي الْعِلْمِ}، فظاهر الكلام أن الواو للاستيناف بمعنى كونه طرفا للترديد الذي يدل عليه قوله في صدر الآية: {فأمّا الّذِين فِي قُلُوبِهِمْ زيْغٌ}، و المعنى: أن الناس في الأخذ بالكتاب قسمان: فمنهم من يتبع ما تشابه منه و منهم من يقول إذا تشابه عليه شيء منه: {آمنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ ربِّنا}، و إنما اختلفا لاختلافهم من جهة زيغ القلب و رسوخ العلم.

