تفسير الميزان ج۳
21بهذا الوصف حيث قال: {كِتاباً مُتشابِهاً مثانِي تقْشعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِين يخْشوْن ربّهُمْ} (الآية) الزمر - ٢٣، و المراد به لا محالة كون آيات الكتاب ذات نسق واحد من حيث جزالة النظم، و إتقان الأسلوب، و بيان الحقائق و الحكم، و الهداية إلى صريح الحق كما تدل عليه القيود المأخوذة في الآية، فهذا التشابه وصف لجميع الكتاب، و أما التشابه المذكور في هذه الآية، أعني قوله: {و أُخرُ مُتشابِهاتٌ}، فمقابلته لقوله: {مِنْهُ آياتٌ مُحْكماتٌ هُنّ أُمُّ الْكِتابِ}، و ذكر اتباع الذين في قلوبهم زيغ لها ابتغاء الفتنة و ابتغاء التأويل، كل ذلك يدل على أن المراد بالتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى و معنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتعين هي معناها و تبينها بيانا، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، و الآية المحكمة محكمة بنفسها، كما أن قوله: {الرّحْمنُ على الْعرْشِ اِسْتوى} طه - ٥، يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه، فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى: {ليْس كمِثْلِهِ شيْءٌ} الشورى - ١١، استقر الذهن على أن المراد به التسلط على الملك و الإحاطة على الخلق دون التمكن و الاعتماد على المكان المستلزم للتجسم المستحيل على الله سبحانه، و كذا قوله تعالى: {إِلى ربِّها ناظِرةٌ} القيامة - ٢٣، إذا أرجع إلى مثل قوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأبْصارُ و هُو يُدْرِكُ الْأبْصار} الأنعام - ١٠٣، علم به أن المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسي، و كذا إذا عرضت الآية المنسوخة على الآية الناسخة تبين أن المراد بها حكم محدود بحد الحكم الناسخ و هكذا.
فهذا ما يتحصل من معنى المحكم و المتشابه، و يتلقاه الفهم الساذج من مجموع قوله تعالى: {هُو الّذِي أنْزل عليْك الْكِتاب مِنْهُ آياتٌ مُحْكماتٌ هُنّ أُمُّ الْكِتابِ و أُخرُ مُتشابِهاتٌ}، فإن الآية محكمة بلا شك و لو فرض جميع القرآن غيرها متشابها.
و لو كانت هذه الآية متشابهة عادت جميع آيات القرآن متشابهة و فسد التقسيم الذي يدل عليه قوله: {مِنْهُ آياتٌ} إلخ، و بطل العلاج الذي يدل عليه قوله: {هُنّ أُمُّ الْكِتابِ}، و لم يصدق قوله: {كِتابٌ فُصِّلتْ آياتُهُ قُرْآناً عربِيًّا لِقوْمٍ يعْلمُون بشِيراً و نذِيراً} حم السجدة - ٤، و لم يتم الاحتجاج الذي يشتمل عليه قوله: {أ فلا يتدبّرُون الْقُرْآن و لوْ كان مِنْ عِنْدِ غيْرِ اللّهِ لوجدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كثِيراً} النساء - ٨٢، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن القرآن نور و هدى و تبيان و بيان و مبين و ذكر و نحو ذلك.

