تفسير الميزان ج۳
208و ربما يقال: إن المراد برفعه إليه رفعه بروحه و جسده حيا إلى السماء على ما يشعر به ظاهر القرآن الشريف أن السماء أي الجسمانية هي مقام القرب من الله سبحانه، و محل نزول البركات، و مسكن الملائكة المكرمين، و لعلنا نوفق للبحث عن معنى السماء فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
و التطهير من الكافرين حيث أتبع به الرفع إلى الله سبحانه أفاد معنى التطهير المعنوي دون الظاهري الصوري فهو إبعاده من الكفار و صونه عن مخالطتهم و الوقوع في مجتمعهم المتقذر بقذارة الكفر و الجحود.
قوله تعالى: {و جاعِلُ الّذِين اِتّبعُوك فوْق الّذِين كفرُوا إِلى يوْمِ الْقِيامةِ}، وعد منه تعالى له (عليه السلام)أنه سيفوق متبعي عيسى (عليه السلام)على مخالفيه الكافرين بنبوته، و أن تفوقهم هذا سيدوم إلى يوم القيامة و إنما ذكر تعالى في تعريف هؤلاء الفائقين على غيرهم أن الفائقين هم الذين اتبعوه و أن غيرهم هم الذين كفروا من غير أن يقول هم بنو إسرائيل أو اليهود المنتحلون بشريعة موسى (عليه السلام)أو غير ذلك.
غير أنه تعالى لما أخذ الكفر في تعريف مخالفيه ظهر منه أن المراد باتباعه هو الاتباع على الحق أعني الاتباع المرضي لله سبحانه فيكون الذين اتبعوه هم أتباعه المستقيمون من النصارى قبل ظهور الإسلام و نسخه دين عيسى، و المسلمون بعد ظهور الإسلام فإنهم هم أتباعه على الحق، و على هذا فالمراد بالتفوق هو التفوق بحسب الحجة دون السلطنة و السيطرة، فمحصل معنى الجملة: أن متبعيك من النصارى و المسلمين ستفوق حجتهم على حجة الكافرين بك من اليهود إلى يوم القيامة، هذا ما ذكره و ارتضاه المفسرون في معنى الآية.
و الذي أراه أن الآية لا تساعد عليه لا بلفظها و لا بمعناها فإن ظاهر قوله {إِنِّي مُتوفِّيك و رافِعُك إِليّ و مُطهِّرُك مِن الّذِين كفرُوا و جاعِلُ الّذِين اِتّبعُوك}، أنه إخبار عن المستقبل و أنه سيتحقق فيما يستقبل حال التكلم توف و رفع و تطهير و جعل على أن قوله: {و جاعِلُ الّذِين اِتّبعُوك}، وعد حسن و بشرى، و ما هذا شأنه لا يكون إلا في ما سيأتي، و من المعلوم أن ليست حجة متبعي عيسى (عليه السلام)إلا حجة عيسى نفسه، و هي التي ذكرها الله تعالى في ضمن آيات البشارة أعني بشارة مريم، و هذه الحجج حجج فائقة حين حضور عيسى قبل الرفع، و بعد رفع عيسى بل كانت قبل رفعه (عليه السلام)أقطع لعذر

