تفسير الميزان ج۳
206إنما يكون بتعلمها من الرسول و اتباعه عملا حتى يشاهد أنه عامل بما يدعو إليه لا يتخطاه و لا يتعداه.
و الظاهر أن هذه الشهادة هي التي يومئ إليها قوله تعالى: {فلنسْئلنّ الّذِين أُرْسِل إِليْهِمْ و لنسْئلنّ الْمُرْسلِين} الأعراف - ٦، و هي الشهادة على التبليغ، و أما قوله تعالى: {و إِذا سمِعُوا ما أُنْزِل إِلى الرّسُولِ ترى أعْيُنهُمْ تفِيضُ مِن الدّمْعِ مِمّا عرفُوا مِن الْحقِّ يقُولُون ربّنا آمنّا فاكْتُبْنا مع الشّاهِدِين} المائدة - ٨٣، فهو شهادة على حقية رسالة الرسول دون التبليغ، و الله أعلم.
و ربما أمكن أن يستفاد من قولهم: {فاكْتُبْنا مع الشّاهِدِين} بعد استشهادهم الرسول على إسلامهم أن المسئول: أن يكتبهم الله من شهداء الأعمال كما يلوح ذلك مما حكاه الله تعالى في دعاء إبراهيم و إسماعيل (عليه السلام): {ربّنا و اِجْعلْنا مُسْلِميْنِ لك و مِنْ ذُرِّيّتِنا أُمّةً مُسْلِمةً لك و أرِنا مناسِكنا} البقرة - ١٢٨، و ليرجع إلى ما ذكرناه في ذيل الآية.
قوله تعالى: {و مكرُوا و مكر اللّهُ و اللّهُ خيْرُ الْماكِرِين}، الماكرون هم بنو إسرائيل، بقرينة قوله: {فلمّا أحسّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْر}، و قد مر الكلام في معنى المكر المنسوب إليه تعالى في ذيل قوله: {و ما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفاسِقِين} البقرة - ٢٦.
قوله تعالى: {إِذْ قال اللّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتوفِّيك}، التوفي أخذ الشيء أخذا تاما، و لذا يستعمل في الموت لأن الله يأخذ عند الموت نفس الإنسان من بدنه قال تعالى: {توفّتْهُ رُسُلُنا} الأنعام - ٦١، أي أماتته، و قال تعالى: {و قالُوا أ إِذا ضللْنا فِي الْأرْضِ أ إِنّا لفِي خلْقٍ جدِيدٍ} إلى أن قال: {قُلْ يتوفّاكُمْ ملكُ الْموْتِ الّذِي وُكِّل بِكُمْ} السجدة - ١١، و قال تعالى: {اللّهُ يتوفّى الْأنْفُس حِين موْتِها و الّتِي لمْ تمُتْ فِي منامِها فيُمْسِكُ الّتِي قضى عليْها الْموْت و يُرْسِلُ الْأُخْرى} الزمر - ٤٢، و التأمل في الآيتين الأخيرتين يعطي أن التوفي لم يستعمل في القرآن بمعنى الموت بل بعناية الأخذ و الحفظ، و بعبارة أخرى إنما استعمل التوفي بما في حين الموت من الأخذ للدلالة على أن نفس الإنسان لا يبطل و لا يفنى بالموت الذي يظن الجاهل أنه فناء و بطلان بل الله تعالى يحفظها حتى يبعثها للرجوع إليه، و إلا فهو سبحانه يعبر في الموارد التي لا تجري فيه هذه العناية بلفظ الموت دون التوفي كما في قوله تعالى: {و ما مُحمّدٌ إِلاّ رسُولٌ قدْ خلتْ

