تفسير الميزان ج۳
203و نظير ذلك في دعوة الإسلام بيعة العقبة و بيعة الشجرة أراد بها رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ركوز القدرة و تجمع القوة ليستقيم به أمر الدعوة.
فلما أيقن عيسى (عليه السلام)أن دعوته غير ناجحة في بني إسرائيل كلهم أو جلهم، و أنهم كافرون به لا محالة، و أنهم لو أخمدوا أنفاسه بطلت الدعوة و اشتدت المحنة مهد لبقاء دعوته هذا التمهيد فاستنصر منهم للسلوك إلى الله سبحانه فأجابه الحواريون على ذلك فتميزوا من سائر القوم بالإيمان فكان ذلك أساسا لتميز الإيمان من الكفر و ظهوره عليه بنشر الدعوة و إقامة الحجة كما قال تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا كُونُوا أنْصار اللّهِ كما قال عِيسى اِبْنُ مرْيم لِلْحوارِيِّين منْ أنْصارِي إِلى اللّهِ قال الْحوارِيُّون نحْنُ أنْصارُ اللّهِ فآمنتْ طائِفةٌ مِنْ بنِي إِسْرائِيل و كفرتْ طائِفةٌ فأيّدْنا الّذِين آمنُوا على عدُوِّهِمْ فأصْبحُوا ظاهِرِين} الصف - ١٤.
و قد قيد الأنصار في قوله: {منْ أنْصارِي} بقوله: {إِلى اللّهِ} ليتم به معنى التشويق و التحريص الذي سيق لأجله هذا الاستفهام نظير قوله تعالى: {منْ ذا الّذِي يُقْرِضُ اللّه قرْضاً حسناً} البقرة - ٢٤٥.
و الظرف متعلق بقوله: {أنْصارِي}، بتضمين النصرة معنى السلوك و الذهاب أو ما يشابههما كما حكى عن إبراهيم (عليه السلام)من قوله: {إِنِّي ذاهِبٌ إِلى ربِّي سيهْدِينِ} الصافات - ٩٩.
و أما ما احتمله بعض المفسرين من كون إلى بمعنى مع فلا دليل عليه و لا يساعد أدب القرآن أن يجعله تعالى في عداد غيره فيعد غير الله ناصرا كما يعده ناصرا، و لا يساعد عليه أدب عيسى (عليه السلام)اللائح مما يحكيه القرآن من قوله، على أن قوله تعالى: {قال الْحوارِيُّون نحْنُ أنْصارُ اللّهِ}، أيضا لا يساعد عليه إذ كان من اللازم على ذلك أن يقولوا: نحن أنصارك مع الله فليتأمل.
قوله تعالى: {قال الْحوارِيُّون نحْنُ أنْصارُ اللّهِ آمنّا بِاللّهِ و اِشْهدْ بِأنّا مُسْلِمُون}، حواري الإنسان من اختص به من الناس، و قيل أصله من الحور و هو شدة البياض، و لم يستعمل القرآن هذا اللفظ إلا في خواص عيسى (عليه السلام)من أصحابه.
و قولهم: {آمنّا بِاللّهِ}، بمنزل التفسير لقولهم: {نحْنُ أنْصارُ اللّهِ} و هذا مما يؤيد كون

