تفسير الميزان ج۳
202و أطِيعُونِ}، متفرع على إتيان الآية لا على إحلال المحرمات فهو لدفع الوهم، و يمكن أن يكون هو مراد من قال: إن إعادة الجملة للتفرقة بين ما قبلها و ما بعدها فإن مجرد التفرقة ليست من المزايا في الكلام.
قوله تعالى: {إِنّ اللّه ربِّي و ربُّكُمْ فاعْبُدُوهُ}، فيه قطع لعذر من اعتقد ألوهيته لتفرسه (عليه السلام)ذلك منهم أو لعلمه بذلك بالوحي كما ذكرنا نظير ذلك في تقييد قوله: {فيكُونُ طيْراً}، و قوله {و أُحْيِ الْموْتى}، بقوله: {بِإِذْنِ اللّهِ} لكن الظاهر من قوله تعالى فيما يحكي قول عيسى (ع): {ما قُلْتُ لهُمْ إِلاّ ما أمرْتنِي بِهِ أنِ اُعْبُدُوا اللّه ربِّي و ربّكُمْ} المائدة - ١١٧، إن ذلك كان بأمر من ربه و وحي منه.
قوله تعالى: {فلمّا أحسّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْر قال منْ أنْصارِي إِلى اللّهِ}، لما كانت البشارة التي بشر بها مريم مشتملة على جمل قصص عيسى (عليه السلام)من حين حمله إلى حين رسالته و دعوته اقتصر عليها اقتصاصا إيجازا في الكلام و فرع عليها تتمة الجملة من قصته و هو انتخابه حوارييه و مكر قومه به و مكر الله بهم في تطهيره منهم و توفيه و رفعه إليه، و هو تمام القصة.
و قد اعتبر في القصة المقدار الذي يهم إلقاؤه إلى النصارى حين نزول الآيات، و هم نصارى نجران: الوفد الذين أتوا المدينة للبحث و الاحتجاج، و لذلك أسقط منها بعض الخصوصيات التي تشتمل عليه قصصه المذكورة في سائر السور القرآنية كسورة النساء و المائدة و الأنبياء و الزخرف و الصف.
و في استعمال لفظ الإحساس في مورد الكفر مع كونه أمرا قلبيا إشعار بظهوره منهم حتى تعلق به الإحساس أو أنهم هموا بإيذائه و قتله بسبب كفرهم فأحس به فقوله: {فلمّا أحسّ عِيسى} أي استشعر و استظهر {مِنْهُمُ} أي من بني إسرائيل المذكور اسمهم في البشارة {الْكُفْر قال منْ أنْصارِي إِلى اللّهِ}؟ و إنما أراد بهذا الاستفهام أن يتميز عدة من رجال قومه فيتمحضوا للحق فتستقر فيهم عدة الدين، و تتمركز فيهم قوته ثم تنتشر من عندهم دعوته، و هذا شأن كل قوة من القوى الطبيعية و الاجتماعية و غيرها، أنها إذا شرعت في الفعل و نشر التأثير و بث العمل كان من اللازم أن تتخذ لنفسها كانونا تجتمع فيه و تعتمد عليه و تستمد منه و لو لا ذلك لم تستقر على عمل، و ذهبت سدى لا تجدي نفعا.

