تفسير الميزان ج۳
200استدلالا بالآيات المعجزة الصادرة عنه (ع)، و لذا كان يقيد كل آية يخبر بها عن نفسه مما يمكن أن يضلوا به كالخلق و إحياء الموتى بإذن الله ثم ختم الكلام بقوله: {إِنّ اللّه ربِّي و ربُّكُمْ فاعْبُدُوهُ صِراطٌ مُسْتقِيمٌ}.
و ظاهر قوله: {أنِّي أخْلُقُ لكُمْ}إلخ، أن هذه الآيات كانت تصدر عنه صدورا خارجيا لا أن الكلام مسوق لمجرد الاحتجاج و التحدي، و لو كان مجرد قول لقطع العذر و إتمام الحجة لكان من حق الكلام أن يقيد بقيد يفيد ذلك كقولنا: إن سألتم أو أردتم أو نحو ذلك.
على أن ما يحكيه الله سبحانه من مشافهته لعيسى يوم القيامة يدل على وقوع هذه الآيات أتم الدلالة، قال: {إِذْ قال اللّهُ يا عِيسى اِبْن مرْيم اُذْكُرْ نِعْمتِي عليْك و على والِدتِك} إلى أن قال: {و إِذْ تخْلُقُ مِن الطِّينِ كهيْئةِ الطّيْرِ بِإِذْنِي فتنْفُخُ فِيها فتكُونُ طيْراً بِإِذْنِي و تُبْرِئُ الْأكْمه و الْأبْرص بِإِذْنِي و إِذْ تُخْرِجُ الْموْتى} (الآية) المائدة - ١١٠.
و من هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قصارى ما تدل عليه الآية أن الله سبحانه جعل في عيسى بن مريم هذا السر، و أنه احتج على الناس بذلك، و أتم الحجة عليهم بحيث لو سألوه شيئا من ذلك لأتى به، أما أن كلها أو بعضها وقع فلا دلالة فيها على ذلك.
قوله تعالى: {و أُنبِّئُكُمْ بِما تأْكُلُون و ما تدّخِرُون فِي بُيُوتِكُمْ}، و هذا إخبار بالغيب المختص بالله تعالى، و من خصه من رسله بالوحي، و هو آية أخرى و إخبار بغيب صريح التحقق لا يتطرق إليه الشك و الريب فإنالإنسان لا يشك عادة فيما أكله و لا فيما ادخره في بيته.
و إنما لم يقيد هذه الآية بإذن الله مع أن الآية لا تتحقق إلا بإذن منه تعالى كما قال: {و ما كان لِرسُولٍ أنْ يأْتِي بِآيةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ} المؤمن - ٧٨، لأن هذه الآية عبر عنها بالإنباء و هو كلام قائم بعيسى (عليه السلام)يعد فعلا له فلا يليق أن يسند إلى ساحة القدس بخلاف الآيتين السابقتين أعني الخلق و الإحياء فإنها فعل الله بالحقيقة و لا ينسبان إلى غيره إلا بإذنه.
على أن الآيتين المذكورتين ليستا كالإنباء فإن الضلال إلى الناس فيهما أسرع منه

