تفسير الميزان ج۳
199يدل عليه ما حكاه الله سبحانه من مخاطبات الرسل لأممهم كنوح و هود و صالح و شعيب و غيرهم (عليهم السلام).
و إذا كان كذلك لم يستلزم الرسالة إلى قوم خاص البعثة إليهم، و كان من الممكن أن يكون الرسول إلى قوم خاص نبيا مبعوثا إليهم و إلى غيرهم كموسى و عيسى (عليه السلام).
و على ذلك شواهد من القرآن الكريم كرسالة موسى إلى فرعون، قال تعالى: {اِذْهبْ إِلى فِرْعوْن إِنّهُ طغى} طه - ٢٤، و إيمان السحرة لموسى و ظهور قبول إيمانهم و لم يكونوا من بني إسرائيل، قال تعالى: {قالُوا آمنّا بِربِّ هارُون و مُوسى} طه - ٧٠، و دعوة قوم فرعون، قال تعالى: {و لقدْ فتنّا قبْلهُمْ قوْم فِرْعوْن و جاءهُمْ رسُولٌ كرِيمٌ} الدخان - ١٧، و نظير ذلك ما كان من أمر إيمان الناس بعيسى فلقد آمن به (عليه السلام)قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)الروم و أمم عظيمة من الغربيين كالأفرنج و النمسا و البروس و إنجلترا و أمم من الشرقيين كنجران و هم جميعهم ليسوا من بني إسرائيل، و القرآن لم يخص - فيما يذكر فيه النصارى نصارى بني إسرائيل خاصة بالذكر بل يعمم مدحه أو ذمه الجميع.
قوله تعالى: {أنِّي قدْ جِئْتُكُمْ بِآيةٍ مِنْ ربِّكُمْ أنِّي أخْلُقُ لكُمْ مِن الطِّينِ} إلى قوله: {و أُحْيِ الْموْتى بِإِذْنِ اللّهِ}، الخلق جمع أجزاء الشيء، و فيه نسبة الخلق إلى غيره تعالى كما يشعر به أيضا قوله تعالى: {فتبارك اللّهُ أحْسنُ الْخالِقِين} المؤمنون - ١٤.
و الأكمه هو الذي يولد مطموس العين، و قد يقال لمن تذهب عينه قال: كمهت عيناه حتى ابيضتا، قاله الراغب، و الأبرص من كان به برص و هو مرض جلدي معروف.
و في قوله: {و أُحْيِ الْموْتى} حيث علق الإحياء بالموتى و هو جمع دلالة و لا أقل من الإشعار بالكثرة و التعدد.
و كذا قوله: {بِإِذْنِ اللّهِ}، سيق للدلالة على أن صدور هذه الآيات المعجزة منه (عليه السلام)مستند إلى الله تعالى من غير أن يستقل عيسى (عليه السلام)بشيء من ذلك، و إنما كرر تكرارا يشعر بالإصرار لما كان من المترقب أن يضل فيه الناس فيعتقدوا بألوهيته

