تفسير الميزان ج۳
195هذين النبيين.
و تقييد عيسى بابن مريم مع كون الخطاب في الآية لمريم للتنبيه على أنه مخلوق من غير أب، و يكون معروفا بهذا النعت، و أن مريم شريكته في هذه الآية كما قال تعالى: {و جعلْناها و اِبْنها آيةً لِلْعالمِين} الأنبياء - ٩١.
قوله تعالى: {وجِيهاً فِي الدُّنْيا و الْآخِرةِ و مِن الْمُقرّبِين}، الوجاهة هي المقبولية، و كونه (عليه السلام)مقبولا في الدنيا مما لا خفاء فيه، و كذا في الآخرة بنص القرآن.
و معنى المقربين ظاهر فهو مقرب عند الله داخل في صف الأولياء و المقربين من الملائكة من حيث التقريب كما ذكره تعالى بقوله: {لنْ يسْتنْكِف الْمسِيحُ أنْ يكُون عبْداً لِلّهِ و لا الْملائِكةُ الْمُقرّبُون} النساء - ١٧٢، و قد عرف تعالى معنى التقريب بقوله: {إِذا وقعتِ الْواقِعةُ} إلى أن قال: {و كُنْتُمْ أزْواجاً ثلاثةً} إلى أن قال: {و السّابِقُون السّابِقُون أُولئِك الْمُقرّبُون} الواقعة - ١١، و الآية كما ترى تدل على أن هذا التقرب و هو تقرب إلى الله سبحانه حقيقته سبق الإنسان سائر أفراد نوعه في سلوك طريق العود إلى الله الذي سلوكه مكتوب على كل إنسان بل كل شيء، قال تعالى: {يا أيُّها الْإِنْسانُ إِنّك كادِحٌ إِلى ربِّك كدْحاً فمُلاقِيهِ} الانشقاق - ٦، و قال تعالى: {ألا إِلى اللّهِ تصِيرُ الْأُمُورُ} الشورى - ٥٣.
و أنت إذا تأملت كون المقربين صفة الأفراد من الإنسان و صفة الأفراد من الملائكة علمت أنه لا يلزم أن يكون مقاما اكتسابيا فإن الملائكة لا يحرزون ما أحرزوه من المقام عند الله سبحانه بالكسب فلعله مقام تناله المقربون من الملائكة بهبة إلهية و المقربون من الإنسان بالعمل.
و قوله وجيها في الدنيا و الآخرة، حال، و كذا ما عطف عليه من قوله: و من المقربين، و يكلم اه، و من الصالحين، و يكلمه اه، رسولا اه.
قوله تعالى: {و يُكلِّمُ النّاس فِي الْمهْدِ و كهْلاً}، المهد ما يهيأ للصبي من الفراش، و الكهل من الكهولة و هو ما بين الشباب و الشيخوخة، و هو ما يكون الإنسان فيه رجلا تاما قويا، و لذا قيل: الكهل من وخطه الشيب أي خالطه، و ربما قيل: إن الكهل من بلغ أربعا و ثلاثين.

