تفسير الميزان ج۳
191أبِينا مِنّا و نحْنُ عُصْبةٌ} إلى أن قال: {لا تقْتُلُوا يُوسُف و ألْقُوهُ فِي غيابتِ الْجُبِّ يلْتقِطْهُ بعْضُ السّيّارةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِين} يوسف - ١٠.
قوله تعالى: {إِذْ قالتِ الْملائِكةُ يا مرْيمُ إِنّ اللّه يُبشِّرُكِ}إلخ، الظاهر أن هذه البشارة هي التي يشتمل عليها قوله تعالى في موضع آخر: {فأرْسلْنا إِليْها رُوحنا فتمثّل لها بشراً سوِيًّا قالتْ إِنِّي أعُوذُ بِالرّحْمنِ مِنْك إِنْ كُنْت تقِيًّا قال إِنّما أنا رسُولُ ربِّكِ لِأهب لكِ غُلاماً زكِيًّا} الآيات - مريم - ١٩، فتكون البشارة المنسوبة إلى الملائكة هاهنا هي المنسوبة إلى الروح فقط هناك.
و قد قيل في وجهه إن المراد بالملائكة هو جبرئيل، عبر بالجمع عن الواحد تعظيما لأمره كما يقال: سافر فلان فركب الدواب و ركب السفن، و إنما ركب دابة واحدة و سفينة واحدة، و يقال: قال له الناس كذا، و إنما قاله واحد و هكذا، و نظير الآية قوله في قصة زكريا السابقة: {فنادتْهُ الْملائِكةُ} ثم قوله: {قال كذلِك اللّهُ يفْعلُ ما يشاءُ} الآية.
و ربما قيل: إن جبرئيل كان معه غيره فاشتركوا في ندائها.
و الذي يعطيه التدبر في الآيات التي تذكر شأن الملائكة أن بين الملائكة تقدما و تأخرا من حيث مقام القرب، و أن للمتأخر التبعية المحضة لأوامر المتقدم بحيث يكون فعل المتأخر رتبة، عين فعل المتقدم، و قوله عين قوله نظير ما نشاهده و نذعن به من كون أفعال قوانا و أعضائنا عين أفعالنا من غير تعدد فيه تقول: رأته عيناي و سمعته أذناي، و رأيته و سمعته، و يقال فعلته جوارحي و كتبته يدي و رسمته أناملي و فعلته أنا و كتبته أنا، و كذلك فعل المتبوع من الملائكة فعل التابعين له المؤتمرين لأمره بعينه، و قوله قولهم من غير اختلاف، و بالعكس كما أن فعل الجميع فعل الله سبحانه و قولهم قوله، كما قال تعالى: {اللّهُ يتوفّى الْأنْفُس حِين موْتِها} الزمر - ٤٢، فنسب التوفي إلى نفسه، و قال: {قُلْ يتوفّاكُمْ ملكُ الْموْتِ الّذِي وُكِّل بِكُمْ} السجدة - ١١، فنسبه إلى ملك الموت و قال: {حتّى إِذا جاء أحدكُمُ الْموْتُ توفّتْهُ رُسُلُنا} الأنعام - ٦١، فنسبه إلى جمع من الملائكة.
و نظيره قوله تعالى: {إِنّا أوْحيْنا إِليْك} النساء - ١٦٣، و قوله: {نزل بِهِ الرُّوحُ الْأمِينُ على قلْبِك} الشعراء - ١٩٤، و قوله: {منْ كان عدُوًّا لِجِبْرِيل فإِنّهُ نزّلهُ على

