تفسير الميزان ج۳
188فأحْكُمُ بيْنكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تخْتلِفُون ٥٥ فأمّا الّذِين كفرُوا فأُعذِّبُهُمْ عذاباً شدِيداً فِي الدُّنْيا و الْآخِرةِ و ما لهُمْ مِنْ ناصِرِين ٥٦ و أمّا الّذِين آمنُوا و عمِلُوا الصّالِحاتِ فيُوفِّيهِمْ أُجُورهُمْ و اللّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِين ٥٧ ذلِك نتْلُوهُ عليْك مِن الْآياتِ و الذِّكْرِ الْحكِيمِ ٥٨ إِنّ مثل عِيسى عِنْد اللّهِ كمثلِ آدم خلقهُ مِنْ تُرابٍ ثُمّ قال لهُ كُنْ فيكُونُ ٥٩ الْحقُّ مِنْ ربِّك فلا تكُنْ مِن الْمُمْترِين ٦٠}
(بيان)
قوله تعالى: {إِذْ قالتِ الْملائِكةُ يا مرْيمُ إِنّ اللّه اِصْطفاكِ و طهّركِ}، الجملة معطوفة على قوله: {إِذْ قالتِ اِمْرأتُ عِمْران}، فتكون شرحا مثله لاصطفاء آل عمران المشتمل عليه قوله تعالى: {إِنّ اللّه اِصْطفى}، الآية.
و في الآية دليل على كون مريم محدثة تكلمها الملائكة و هي تسمع كلامهم كما يدل عليه أيضا قوله في سورة مريم: {فأرْسلْنا إِليْها رُوحنا فتمثّل لها بشراً سوِيًّا} إلى آخر الآيات، و سيأتي الكلام في المحدث.
و قد تقدم في قوله تعالى: {فتقبّلها ربُّها بِقبُولٍ حسنٍ} (الآية) أن ذلك بيان لاستجابة دعوة أم مريم: {و إِنِّي سمّيْتُها مرْيم و إِنِّي أُعِيذُها بِك و ذُرِّيّتها مِن الشّيْطانِ الرّجِيمِ} (الآية) و أن قول الملائكة لمريم: {إِنّ اللّه اِصْطفاكِ و طهّركِ}، إخبار لها بما لها عند الله سبحانه من الكرامة و المنزلة فارجع إلى هناك.
فاصطفاؤها تقبلها لعبادة الله، و تطهيرها اعتصامها بعصمة الله فهي مصطفاة معصومة، و ربما قيل: إن المراد من تطهيرها جعلها بتولا لا تحيض فيتهيأ لها بذلك أن لا تضطر إلى الخروج من الكنيسة، و لا بأس به غير أن الذي ذكرناه هو الأوفق بسياق الآيات.

