تفسير الميزان ج۳
178النعمة نظير ما وقع في بشرى إبراهيم بالذرية قال تعالى: {و نبِّئْهُمْ عنْ ضيْفِ إِبْراهِيم إِذْ دخلُوا عليْهِ فقالُوا سلاماً قال إِنّا مِنْكُمْ وجِلُون قالُوا لا توْجلْ إِنّا نُبشِّرُك بِغُلامٍ علِيمٍ قال أ بشّرْتُمُونِي على أنْ مسّنِي الْكِبرُ فبِم تُبشِّرُون قالُوا بشّرْناك بِالْحقِّ فلا تكُنْ مِن الْقانِطِين قال و منْ يقْنطُ مِنْ رحْمةِ ربِّهِ إِلاّ الضّالُّون} الحجر - ٥٦، فذكر في جواب نهي الملائكة إياه عن القنوط أن استفهامه لم يكن عن قنوط كيف و هو غير ضال و القنوط ضلالة، بل السيد إذا أقبل على عبده إقبالا يؤذن بالقرب و الأنس و الكرامة أوجب ذلك انبساطا من العبد و ابتهاجا يستدعي تلذذه من كل حديث و تمتعه في كل باب.
و في قوله: {و قدْ بلغنِي الْكِبرُ}من مراعاة الأدب ما لا يخفى فإنه كناية عن أنه لا يجد من نفسه شهوة النكاح لبلوغ الشيخوخة و الهرم. و قد اجتمعت في امرأته الكبر و العقر معا فإن ذلك ظاهر قوله: {و كانتِ اِمْرأتِي عاقِراً}، و لم يقل: و امرأتي عاقر.
قوله تعالى: {قال كذلِك اللّهُ يفْعلُ ما يشاءُ}، فاعل قال و إن كان هو الله سبحانه سواء كان من غير وساطة الملائكة وحيا أو بواسطة الملائكة الذين كانوا ينادونه فالقول على أي حال قوله تعالى لكن الظاهر أنه منسوب إليه تعالى بواسطة الملك فالقائل هو الملك و قد نسب إليه تعالى لأنه بأمره، و الدليل على ذلك قوله تعالى في سورة مريم في القصة: {قال كذلِك قال ربُّك هُو عليّ هيِّنٌ و قدْ خلقْتُك مِنْ قبْلُ و لمْ تكُ شيْئاً} مريم - ٩.
و منه يظهر أولا: أنه سمع الصوت من حيث كان يسمعه أولا. و ثانيا: أن قوله: {كذلِك}، خبر لمبتدإ محذوف، و التقدير: الأمر كذلك أي الذي بشرت به من الموهبة هو كذلك كائن لا محالة، و فيه إشارة إلى كونه من القضاء المحتوم الذي لا ريب في وقوعه نظير ما ذكره الروح في جواب مريم على ما حكاه الله تعالى: {قال كذلِكِ قال ربُّكِ هُو عليّ هيِّنٌ} إلى أن قال : {و كان أمْراً مقْضِيًّا} مريم - ٢١، و ثالثا: أن قوله: {اللّهُ يفْعلُ ما يشاءُ} كلام مفصول في مقام التعليل لمضمون قوله: كذلك اه.
قوله تعالى: {قال ربِّ اِجْعلْ لِي آيةً قال آيتُك ألاّ تُكلِّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إِلاّ

