تفسير الميزان ج۳
177كعيسى و عده سيدا كما جعل عيسى وجيها عنده، و جعله حصورا و نبيا و من الصالحين مثل عيسى، كل ذلك استجابة لمسألة زكريا و دعوته حيث سأل ذرية طيبة و وليا رضيا عند ما امتلأ قلبه بما شاهد من أمر مريم و عجيب شأنها و كرامتها على الله كما مر بيانه.
و في قوله: {مُصدِّقاً بِكلِمةٍ مِن اللّهِ} دلالة على كونه من دعاة عيسى فالكلمة هو عيسى المسيح كما ذكره تعالى في ذيل هذه الآيات في بشارة الروح لمريم.
و السيد هو الذي يتولى أمر سواد الناس و جماعتهم في أمر حيوتهم و معاشهم أو فضيلة من الفضائل المحمودة عندهم ثم غلب استعماله في شريف القوم لما أن التولي المذكور يستلزم شرفا بالحكم أو المال أو فضيلة أخرى.
و الحصور هو الذي لا يأتي النساء و المراد بذلك في الآية بقرينة السياق الممتنع عن ذلك للإعراض عن مشتهيات النفس زهدا.
قوله تعالى: {قال ربِّ أنّى يكُونُ لِي غُلامٌ و قدْ بلغنِي الْكِبرُ و اِمْرأتِي عاقِرٌ}، استفهام تعجيب و استعلام لحقيقة الحال لا استبعاد و استعظام مع تصريح البشارة بذلك و أن الله سبحانه سيرزقه ما سأله من الولد مع أنه ذكر هذين الوصفين اللذين جعلهما منشأ للتعجب و الاستعلام في ضمن مسألته على ما في سورة مريم حيث قال: {ربِّ إِنِّي وهن الْعظْمُ مِنِّي و اِشْتعل الرّأْسُ شيْباً و لمْ أكُنْ بِدُعائِك ربِّ شقِيًّا و إِنِّي خِفْتُ الْموالِي مِنْ ورائِي و كانتِ اِمْرأتِي عاقِراً فهبْ لِي مِنْ لدُنْك ولِيًّا} مريم - ٥.
لكن المقام يمثل معنى آخر فكأنه (عليه السلام)لما انقلب حالا من مشاهدة أمر مريم و تذكر انقطاع عقبه لم يشعر إلا و قد سأل ربه ما سأل و قد ذكر في دعائه ما له سهم وافر في تأثره و تحزنه و هو بلوغ الكبر، و كون امرأته عاقرا، فلما استجيبت دعوته و بشر بالولد كأنه صحا و أفاق مما كان عليه من الحال، و أخذ يتعجب من ذلك و هو بالغ الكبر و امرأته عاقر، فصار ما كان يثير على وجهه غبار اليأس و سيماء الحزن يغيره إلى نظرة التعجب المشوب بالسرور.
على أن ذكر نواقص الأمر بعد البشارة بقضاء أصل الحاجة و استعلام كيفية رفع واحد واحد منها إنما هو طلب تفهم خصوصيات الإفاضة و الإنعام التذاذا بالنعمة الفائضة بعد

