تفسير الميزان ج۳
175على أن قوله تعالى: {هُنالِك دعا زكرِيّا ربّهُ} إلخ، يدل على أن زكريا تلقى وجود هذا الرزق عندها كرامة إلهية خارقة فأوجب ذلك أن يسأل الله أن يهب له من لدنه ذرية طيبة، فقد كان الرزق رزقا يدل بوجوده على كونه كرامة من الله سبحانه لمريم الطاهرة، و مما يشعر بذلك قوله تعالى: {قال يا مرْيمُ} إلخ، على ما سيجيء من البيان.
و قوله: {قال يا مرْيمُ أنّى لكِ}إلخ، فصل الكلام من غير أن يعطف على قوله: {وجد عِنْدها رِزْقاً}، يدل على أنه (عليه السلام)إنما قال لها ذلك مرة واحدة فأجابت بما قنع به و استيقن أن ذلك كرامة لها و هنالك دعا و سأل ربه ذرية طيبة.
قوله تعالى: {هُنالِك دعا زكرِيّا ربّهُ قال ربِّ هبْ لِي مِنْ لدُنْك ذُرِّيّةً طيِّبةً} إلخ، طيب الشيء ملاءمته لصاحبه فيما يريده لأجله فالبلد الطيب ما يلائم حيوة أهله من حيث الماء و الهواء و الرزق و نحو ذلك، قال تعالى: {و الْبلدُ الطّيِّبُ يخْرُجُ نباتُهُ بِإِذْنِ ربِّهِ} الأعراف - ٥٨، و العيشة الطيبة و الحيوة الطيبة ما يلائم بعض أجزائها بعضا و يسكن إليها قلب صاحبها و منه الطيب للعطر الزكي فالذرية الطيبة هو الولد الصالح لأبيه مثلا الذي يلائم من حيث صفاته و أفعاله ما عند أبيه من الرجاء و الأمنية فقول زكريا (عليه السلام): {ربِّ هبْ لِي مِنْ لدُنْك ذُرِّيّةً طيِّبةً}، لما كان الباعث له عليه ما شاهد من أمر مريم و خصوص كرامتها على الله و امتلاء قلبه من شأنها لم يملك من نفسه دون أن يسأل الله أن يهب له مثلها خطرا و كرامة، فكون ذريته طيبة أن يكون لها ما لمريم من الكرامة عند الله و الشخصية في نفسها، و لذلك استجيب في عين ما سأله من الله، و وهب له يحيى و هو أشبه الأنبياء بعيسى (عليه السلام)، و أجمع الناس لما عند عيسى و أمه مريم الصديقة من صفات الكمال و الكرامة، و من هنا ما سماه تعالى بيحيى و جعله مصدقا بكلمة من الله و سيدا و حصورا و نبيا من الصالحين، و هذه أقرب ما يمكن أن يشابه بها إنسان مريم و ابنها عيسى (عليه السلام)على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {فنادتْهُ الْملائِكةُ و هُو قائِمٌ يُصلِّي فِي الْمِحْرابِ أنّ اللّه يُبشِّرُك بِيحْيى} إلى آخر الآية، ضمائر الغيبة و الخطاب لزكريا، و البشرى و الإبشار و التبشير الإخبار بما يفرح الإنسان بوجوده.
و قوله: {أنّ اللّه يُبشِّرُك بِيحْيى}، دليل على أن تسميته بيحيى إنما هو من جانب

