تفسير الميزان ج۳
170(بيان)
قوله تعالى: {إِذْ قالتِ اِمْرأتُ عِمْران ربِّ إِنِّي نذرْتُ لك ما فِي بطْنِي مُحرّراً فتقبّلْ مِنِّي إِنّك أنْت السّمِيعُ الْعلِيمُ}، النذر إيجاب الإنسان على نفسه ما ليس بواجب. و التحرير هو الإطلاق عن وثاق، و منه تحرير العبد عن الرقية، و تحرير الكتاب كأنه إطلاق للمعاني عن محفظة الذهن و الفكر. و التقبل هو القبول عن رغبة و رضى كتقبل الهدية و تقبل الدعاء و نحو ذلك.
و في قوله: {قالتِ اِمْرأتُ عِمْران ربِّ إِنِّي نذرْتُ لك ما فِي بطْنِي}، دلالة على أنها إنما قالت هذا القول حينما كانت حاملا، و أن حملها كان من عمران، و لا يخلو الكلام من إشعار بأن زوجها عمران لم يكن حيا عندئذ و إلا لم يكن لها أن تستقل بتحرير ما في بطنها هذا الاستقلال كما يدل عليه أيضا ما سيأتي من قوله تعالى: {و ما كُنْت لديْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقْلامهُمْ أيُّهُمْ يكْفُلُ مرْيم} (الآية) آل عمران - ٤٤، على ما سيجيء من البيان.
و من المعلوم أن تحرير الأب أو الأم للولد ليس تحريرا عن الرقية و إنما هو تحرير عن قيد الولاية التي للوالدين على الولد من حيث تربيته و استعماله في مقاصدهما و افتراض طاعتهما فبالتحرير يخرج من تسلط أبويه عليه في استخدامه، و إذا كان التحرير منذورا لله سبحانه يدخل في ولاية الله يعبده و يخدمه، أي يخدم في البيع و الكنائس و الأماكن المختصة بعبادته تعالى في زمان كان فيه تحت ولاية الأبوين لو لا التحرير، و قد قيل: إنهم كانوا يحررون الولد لله فكان الأبوان لا يستعملانه في منافعهما: و لا يصرفانه في حوائجهما بل كان يجعل في الكنيسة يكنسها و يخدمها لا يبرح حتى يبلغ الحلم ثم يخير بين الإقامة و الرواح فإن أحب أن يقيم أقام، و إن أحب الرواح ذهب لشأنه.
و في الكلام دلالة على أنها كانت تعتقد أن ما في بطنها ذكر لا إناث حيث إنها تناجي ربها عن جزم و قطع من غير اشتراط و تعليق حيث تقول: {نذرْتُ لك ما فِي بطْنِي مُحرّراً} من غير أن تقول مثلا إن كان ذكرا و نحو ذلك.
و ليس تذكير قوله: {مُحرّراً}، من جهة كونه حالا عن ما الموصولة التي يستوي فيه المذكر و المؤنث إذ لو كانت نذرت تحرير ما في بطنها سواء كان ذكرا أو أنثى لم

