تفسير الميزان ج۳
156و قال: {و الْأمْرُ يوْمئِذٍ لِلّهِ} الانفطار - ١٩، إذ من المعلوم أن الله سبحانه له كل الملك و القدرة و القوة و الأمر دائما - قبل القيامة و فيها و بعدها - و إنما اختص يوم القيامة بظهور هذه الأمور لنا معاشر الخلائق ظهورا لا ريب فيه.
و من ذلك يظهر أن تعلق الظرف بقوله: {يعْلمْهُ اللّهُ}، لا يفيد تأخر علمه تعالى بسرائر عباده من خير أو شر إلى يوم القيامة.
على أن في قوله تعالى: {مُحْضراً}، دون أن يقول: حاضرا دلالة على ذلك فإن الإحضار إنما يتم فيما هو موجود غائب فالأعمال موجودة محفوظة عن البطلان يحضرها الله تعالى لخلقه يوم القيامة، و لا حافظ لها إلا الله سبحانه، قال تعالى: {و ربُّك على كُلِّ شيْءٍ حفِيظٌ} سبأ - ٢١ و قال: {و عِنْدنا كِتابٌ حفِيظٌ} ق - ٤.
و قوله: {تجِدُ}، من الوجدان خلاف الفقدان، و من في قوله: {مِنْ خيْرٍ} و {مِنْ سُوءٍ} للبيان، و التنكير للتعميم، أي تجد كل ما عملت من الخير و إن قل و كذا من السوء و قوله: {و ما عمِلتْ مِنْ سُوءٍ}، معطوف على قوله {ما عمِلتْ مِنْ خيْرٍ} على ما هو ظاهر السياق و الآية من الآياتالدالة على تجسم الأعمال، و قد مر البحث عنها في سورة البقرة.
قوله تعالى: {تودُّ لوْ أنّ بيْنها و بيْنهُ أمداً بعِيداً}، الظاهر أنه خبر لمبتدإ محذوف و هو الضمير الراجع إلى النفس، و {لوْ} للتمني، و قد كثر دخوله في القرآن على أن المفتوحة المشددة، فلا يعبأ بما قيل من عدم جوازه و تأويل ما ورد فيه ذلك من الموارد.
و الأمد يفيد معنى الفاصلة الزمانية، قال الراغب في مفردات القرآن: الأمد و الأبد يتقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود، و لا يتقيد، لا يقال: أبد كذا، و الأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق، و قد ينحصر نحو أن يقال: أمد كذا، كما يقال: زمان كذا، و الفرق بين الزمان و الأمد، أن الأمد يقال باعتبار الغاية، و الزمان عام في المبدإ و الغاية، و لذا قال بعضهم: الأمد و المدى يتقاربان، انتهى.
و في قوله: {تودُّ لوْ أنّ بيْنها و بيْنهُ أمداً بعِيداً}، دلالة على أن حضور سيئ العمل يسوء النفس كما يشعر بالمقابلة بأن حضور خير العمل يسرها، و إنما تود الفاصلة الزمانية بينها و بينه دون أن تود أنه لم يكن من أصله لما يشاهد من بقائه بحفظ الله فلا يسعها

