تفسير الميزان ج۳
153قوله تعالى: {إِلاّ أنْ تتّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً}، الاتقاء في الأصل أخذ الوقاية للخوف ثم ربما استعمل بمعنى الخوف استعمالا للمسبب في مورد السبب و لعل التقية في المورد من هذا القبيل.
و الاستثناء منقطع فإن التقرب من الغير خوفا بإظهار آثار التولي ظاهرا من غير عقد القلب على الحب و الولاية ليس من التولي في شيء لأن الخوف و الحب أمران قلبيان متباينان و متنافيان أثرا في القلب فكيف يمكن اتحادهما؟ فاستثناء الاتقاء استثناء منقطع.
و في الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت (عليه السلام)كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار و أبويه ياسر و سمية و هي قوله تعالى: {منْ كفر بِاللّهِ مِنْ بعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ منْ أُكْرِه و قلْبُهُ مُطْمئِنٌّ بِالْإِيمانِ و لكِنْ منْ شرح بِالْكُفْرِ صدْراً فعليْهِمْ غضبٌ مِن اللّهِ و لهُمْ عذابٌ عظِيمٌ} النحل - ١٠٦.
و بالجملة الكتاب و السنة متطابقان في جوازها في الجملة، و الاعتبار العقلي يؤكده إذ لا بغية للدين، و لا هم لشارعه إلا ظهور الحق و حياته، و ربما يترتب على التقية و المجاراة مع أعداء الدين و مخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين و حيوة الحق ما لا يترتب على تركها، و إنكار ذلك مكابرة و تعسف، و سنستوفي الكلام فيها في البحث الروائي التالي، و في الكلام على قوله تعالى: {منْ كفر بِاللّهِ مِنْ بعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ منْ أُكْرِه و قلْبُهُ مُطْمئِنٌّ بِالْإِيمانِ} النحل - ١٠٦.
قوله تعالى: {و يُحذِّرُكُمُ اللّهُ نفْسهُ و إِلى اللّهِ الْمصِيرُ}، التحذير تفعيل من الحذر و هو الاحتراز من أمر مخيف و قد حذر الله عباده من عذابه كما قال تعالى: {إِنّ عذاب ربِّك كان محْذُوراً} إسراء - ٥٧، و حذر من المنافقين و فتنة الكفار فقال: {هُمُ الْعدُوُّ فاحْذرْهُمْ} المنافقين - ٤، و قال: {و اِحْذرْهُمْ أنْ يفْتِنُوك} المائدة - ٤٩، و حذرهم من نفسه كما في هذه الآية و ما يأتي بعد آيتين، و ليس ذلك إلا للدلالة على أن الله سبحانه نفسه هو المخوف الواجب الاحتراز في هذه المعصية، أي ليس بين هذا المجرم و بينه تعالى شيء مخوف آخر حتى يتقى عنه بشيء أو يتحصن منه بحصن، و إنما هو الله الذي لا عاصم منه، و لا أن بينه و بين الله سبحانه أمر مرجو في دفع الشر عنه من ولي

