تفسير الميزان ج۳
152دُونِ الْمُؤْمِنِين}، للدلالة على سبب الحكم و علته، و هو أن صفتي الكفر و الإيمان مع ما فيهما من البعد و البينونة و لا محالة يسري ذلك إلى من اتصف بهما فيفرق بينهما في المعارف و الأخلاق و طريق السلوك إلى الله تعالى و سائر شئون الحيوة لا يلائم حالهما مع الولاية فإن الولاية يوجب الاتحاد و الامتزاج، و هاتان الصفتان توجبان التفرق و البينونة، و إذا قويت الولاية كما إذا كان من دون المؤمنين أوجب ذلك فساد خواص الإيمان و آثاره ثم فساد أصله، و لذلك عقبه بقوله: {و منْ يفْعلْ ذلِك فليْس مِن اللّهِ فِي شيْءٍ}، ثم عقبه أيضا بقوله: {إِلاّ أنْ تتّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً}، فاستثنى التقية فإن التقية إنما توجب صورة الولاية في الظاهر دون حقيقتها.
و دون في قوله: {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين} كأنه ظرف يفيد معنى عند مع شوب من معنى السفالة و القصور، و المعنى: مبتدئا من مكان دون مكان المؤمنين فإنهم أعلى مكانا.
و الظاهر أن ذلك هو الأصل في معنى دون فكان في الأصل يفيد معنى الدنو مع خصوصية الانخفاض فقولهم دونك زيد أي هو في مكان يدنو من مكانك و أخفض منه كالدرجة دون الدرجة ثم استعمل بمعنى غير كقوله: {إِلهيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ} المائدة - ١١٦، و قوله: {و يغْفِرُ ما دُون ذلِك لِمنْ يشاءُ} النساء - ٤٨، أي ما سوى ذلك أو ما هو أدون من ذلك و أهون، كذا استعمل اسم فعل كقولهم: دونك زيدا أي الزمه، كل ذلك من جهة الانطباق على المورد دون الاشتراك اللفظي.
قوله تعالى: {و منْ يفْعلْ ذلِك فليْس مِن اللّهِ فِي شيْءٍ}، أي و من يتخذهم أولياء من دون المؤمنين، و إنما بدل من لفظ عام للإشعار بنهاية نفرة المتكلم منه حتى أنه لا يتلفظ به إلا بلفظ عام كالتكنية عن القبائح، و هو شائع في اللسان، و لذلك أيضا لم يقل: و من يفعل ذلك من المؤمنين كأن فيه صونا للمؤمنين من أن ينسب إليهم مثل هذا الفعل.
و مِن في قوله: {مِن اللّهِ}، للابتداء، و يفيد في أمثال هذا المقام معنى التحزب أي ليس من حزب الله في شيء كما قال تعالى: {و منْ يتولّ اللّه و رسُولهُ و الّذِين آمنُوا فإِنّ حِزْب اللّهِ هُمُ الْغالِبُون} المائدة - ٥٦، و كما فيما حكاه عن إبراهيم (عليه السلام)من قوله: {فمنْ تبِعنِي فإِنّهُ مِنِّي} إبراهيم - ٣٦، أي من حزبي، و كيف كان فالمعنى و الله أعلم: ليس من حزب الله مستقرا في شيء من الأحوال و الآثار.

