تفسير الميزان ج۳
151بيان
الآيات غير خالية عن الارتباط بما تقدمها بناء على ما ذكرناه في الآيات السابقة:
أن المقام مقام التعرض لحال أهل الكتاب و المشركين و التعريض لهم، فالمراد بالكافرين إن كان يعم أهل الكتاب فهذه الآيات تنهى عن توليهم و الامتزاج الروحي بالمشركين و بهم جميعا، و إن كان المراد بهم المشركين فحسب فالآيات متعرضة لهم و دعوة إلى تركهم و الاتصال بحزب الله، و حب الله و طاعة رسوله.
قوله تعالى: {لا يتّخِذِ الْمُؤْمِنُون الْكافِرِين أوْلِياء مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين}، الأولياء جمع الولي من الولاية و هي في الأصل ملك تدبير أمر الشيء فولي الصغير أو المجنون أو المعتوه هو الذي يملك تدبير أمورهم و أمور أموالهم فالمال لهم و تدبير أمره لوليهم، ثم استعمل و كثر استعماله في مورد الحب لكونه يستلزم غالبا تصرف كل من المتحابين في أمور الآخر لإفضائه إلى التقرب و التأثر عن إرادة المحبوب و سائر شئونه الروحية فلا يخلو الحب عن تصرف المحبوب في أمور المحب في حيوته.
فاتخاذ الكافرين أولياء هو الامتزاج الروحي بهم بحيث يؤدي إلى مطاوعتهم و التأثر منهم في الأخلاق و سائر شئون الحيوة و تصرفهم في ذلك، و يدل على ذلك تقييد هذا النهي بقوله: {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين}، فإن فيه دلالة على إيثار حبهم على حب المؤمنين، و إلقاء أزمة الحيوة إليهم دون المؤمنين، و فيه الركون إليهم و الاتصال بهم و الانفصال عن المؤمنين.
و قد تكرر ورود النهي في الآيات الكريمة عن تولي الكافرين و اليهود و النصارى و اتخاذهم أولياء لكن موارد النهي مشتملة على ما يفسر معنى التولي المنهي عنه، و يعرف كيفية الولاية المنهي عنها كاشتمال هذه الآية على قوله: {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين} بعد قوله: {لا يتّخِذِ الْمُؤْمِنُون الْكافِرِين أوْلِياء}، و اشتمال قوله تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا لا تتّخِذُوا الْيهُود و النّصارى أوْلِياء} (الآية) المائدة - ٥١، على قوله: {بعْضُهُمْ أوْلِياءُ بعْضٍ}، و تعقب قوله تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا لا تتّخِذُوا عدُوِّي و عدُوّكُمْ أوْلِياء} (الآية) الممتحنة - ١، بقوله: {لا ينْهاكُمُ اللّهُ عنِ الّذِين لمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} إلى آخر الآيات.
و على هذا فأخذ هذه الأوصاف في قوله: {لا يتّخِذِ الْمُؤْمِنُون الْكافِرِين أوْلِياء مِنْ

